وعندما انتقل عمرو موسى، بمبادرته العربية، من المبادئ العامة والعناوين العريضة التي يتسابق الجميع إلى إعلان الالتزام بها بل ويتبارون فصاحة في التسليم ببديهياتها، كان عليه أن ينتقل إلى «التفاصيل» التي بها تُبنى الاتفاقات على أرض الواقع، وتوثق وتجهز لكي تمهر بالتواقيع... ثم يكون الاحتفال بالإنجاز!

عندها خرجت «الشياطين» من قلب التفاصيل إلى السطح، فإذا كل تفصيل يحتوي مجموعة من «الشياطين» يكفي الواحد منها لتخريب... بلد! ولم يتعب عمرو موسى قبل أن يكتشف أن معظم الشياطين «مستوردة»، وأن خلف كل شيطان «دولة» أو أكثر... حتى لقد اجتمعت في هذه التفاصيل دول قد تزيد بعديدها عن أعضاء مجلس الأمن الدولي!

فأما «الشياطين» المتحدّرون من «أصل» عربي فقد كان سهلاً على الأمين العام لجامعة الدول العربية أن يتعرف عليهم، وأن يحدد لغة التخاطب معهم، وخصوصاً أنه حين طلب إلى قياداتهم العليا أن تساعده ردت عليه مرحبة، ولكنه عند باب الخروج رأى لوحة منقوشة عليها الآية الكريمة «اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون»!

وافترض الدبلوماسي العريق أنهم إن هم التزموا بمنطوق الآية الكريمة فلم يتصدوا لمبادرته بالتخريب أو التشويش أو التعطيل، فلسوف يكون قادراً على الحركة، وقادراً على إيصال الأطراف المختلفين حول السلطة (أي حول كل شيء في لبنان) إلى مقترحات لحلول وسط مقبولة ـ بالمبدأ ـ من الجميع، ثم يكون عليه أن يصب جهده لانتزاع الموافقة العملية، بالختم والتوقيع، على كل نقطة يصير التوافق عليها كاملاً وغير مشروط...

ومع أنه كان يتحسّب لتدخل أطراف دولية أخرى غير عربية، إلا أنه وبالتأكيد لم يكن يتوقع انتظام «الدول» وتحت القيادة الأميركية ممثلة بالرئيس جورج بوش شخصياً، في طابور عسكري غاية في الانضباط يجهر بانحيازه للرئيس فؤاد السنيورة، بل ويجاهر بأنه «فخور» به وبحكومته الديموقراطية، بما يذهب بالهامش الذي كان ينوي أن يتحرك فيه.

انتبه إلى أن «الشياطين» التي كانت كامنة في التفاصيل قادرة على التهام «الجوهر» كله، وهي مستعدة ومؤهلة لأن تنسف كل اتفاق مبدئي يجهد في الوصول إليه... بين لقاء التوافق المبدئي والذهاب به إلى الطرف الآخر، كان عمرو موسى، الفرح بأنه قد أنجز خطوة ما ولو محدودة، يعود ليكتشف أن «الشياطين» قد التهمت أو نسفت أو حوّرت أو زوّرت أو بدّلت أو غيّرت في «النص» بما يخرجه عن مضمونه، ويبدل في أساسه، فيكون عليه أن يكافح من جديد لإعادة تثبيت الاتفاق المبدئي... الأصلي!

كانت «الشياطين» الخارجة من التفاصيل تتوالد كل لحظة، فتملأ الطرقات...

وكان على عمرو موسى أن يتحقق من أن «الشياطين» هي «الشياطين» لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالقدرة على التخريب...

بل كان على عمرو أن ينتبه إلى أن هذه الشياطين قد رافقته في رحلاته جميعاً من القاهرة إلى بيروت، ثم من بيروت إلى واشنطن التي زارها لارتباط سابق، وفي رحلة العودة كانت قد توالدت بغزارة،

وعندما قصد من القاهرة إلى الرياض ملأت «الشياطين» الجو وكادت تقتحم طائرته وهو عائد إلى بيروت. أما حين قصد دمشق فلقد كان عليه أن يواجهها مباشرة عند وصوله إلى بيروت بما سمع مما شجعه على المضي في مغامرة المبادرة حتى خاتمتها المرجوة.

ها هو عمرو موسى يغادر الآن تاركاً «الشياطين» في مواجهة أصحاب الشأن: فإن استطاعوا أن يشقوا بينها طريقاً، ولو ضيقاً، للتفاهم المباشر، ولو على النقاط الأساس في مشروع الاتفاق العتيد، عاد إليهم «السيد الأمين العام» ما بين طرفة عين وانتباهتها... أما إذا انتصرت «الشياطين» فيكون على لبنان السلام... وليس على المبادرة العربية فحسب!

طلال سلمان