الواضح مع الأسف؛ أن الحسابات والاعتبارات الضيقة تطغى وتهيمن حتى الآن على الاعتبارات الوطنية العليا في فلسطين، حيث أن الظرف يستدعي الائتلاف والتلاحم والوحدة الوطنية الفلسطينية قبل لقاء أبو مازن وأولمرت لمباشرة مفاوضات حول مستقبل عملية السلام في المنطقة، فمواصلة الاحتقان الداخلي بين حماس وفتح تعني إعطاء فرصة للاحتلال لفرض وجهة نظره في المفاوضات، بالاستفادة طبعاً من غياب إجماع فلسطيني حول بنود الاتفاق.

ولذلك فإن الحقيقة الكبيرة المستخلصة، والأهم هنا، أن الوحدة الوطنية الفلسطينية والقيادة الجماعية هما المخرج من المأزق، وهما البديل الذي يوصل إلى شط الأمان الفلسطيني، وإن الخلافات والصراعات بين مؤسستي السلطة والحكومة في هذا الوقت العصيب،

وفي ذروة المعركة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال، هي آخر ما يحتاجه الشعب الفلسطيني، فالإسرائيليون على اختلافهم يرحبون بالإجماع؛ بالاشتباك الفلسطيني الداخلي ويعلنون أن الصراع بين فتح وحماس يساعدهم في مواصلة بطش الاحتلال. فلماذا هذه الفتنة، ولمصلحة من تراق الدماء ويدفع بالوضع إلى حافة الهاوية والاقتتال؟.

لم يعد من الممكن ولا من المفيد تجاهل وجود أزمة فلسطينية متفاقمة، أدت إلى الشلل في الدفاع عن الحق الفلسطيني إزاء الانتهاكات الإسرائيلية الفادحة، والتجاهل الدولي، والحصار الاقتصادي والسياسي الذي يدفع مئات الألوف من الفلسطينيين إلى حافة الجوع، وكلها مؤشرات تنطوي على وضع متأزم.

فقد استبشر الفلسطينيون خيراً إثر اللقاءات المتكررة بين حركتي فتح وحماس، وكذلك الإعلان المتكرر بتقارب وجهات النظر وتجاوز العديد من نقاط الخلاف، حتى وصل الطرفان إلى تحديد الوزارات المراد شغلها من قبل كل طرف.

وخرجت التصريحات على لسان العديد من قيادات فتح وحماس تبشر بقرب التوصل إلى إعلان تشكيل حكومة الوحدة. فما الذي تغير واستجد، حتى وصل الأمر إلى ما هو عليه؟.ومما لاشك فيه أن الأزمة الفلسطينية قد وصلت إلى مرحلة تتزايد فيها التساؤلات، ليس فقط حول كيفية الخروج منها، ولكن أيضاً فيما يتصل بتبعاتها على مستقبل القضية الفلسطينية برمته.

فالرئيس الفلسطيني محمود عباس يلتقي قريباً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت للتفاوض حول عملية السلام في المنطقة، وكما هو واضح فإن أي مفاوضات مع دولة الاحتلال لن تؤدي إلى أي نتيجة مع استمرار الاقتتال الداخلي بين حماس وفتح،

فالوقت أصبح الآن في غير صالح الفلسطينيين ما لم يجتهدوا في تجاوز مرحلة الانسداد الداخلي وخلق قوة موحدة قادرة على مواجهة مخططات الاحتلال تحقيقاً للمصلحة العليا في فلسطين.التفاوض من موقع قوة سيساهم دون أدنى شك في إحباط كل المخططات الرامية إلى إضعاف قدرات التفاوض، لهذا فإن تفرغ هذه الحكومة للقضايا الداخلية أمر بالغ الأهمية.

ومن الواضح أن البرنامج السياسي للحكومة سيوفر الظروف التي تسمح بزوال مسوغات مواصلة فرض الحصار على الشعب الفلسطيني، وسيحدث تصدعات كبيرة في الموقف الدولي المتشبث بفرض الحصار. ومرة أخرى من المهم تذكير الفرقاء في الساحة الفلسطينية بالقاعدة الذهبية القائلة «لا يكفي أن تكون محقاً،

بل يجب أن تكون حكيماً أيضاً»، فلا يكفي الفصائل الفلسطينية تعبيرها كل صباح ومساء عن تشبثها بالحقوق الوطنية، بل أيضاً يجب التسلح بالحكمة السياسية اللازمة لتوفير الأرضية لمواصلة النضال من أجل تحصيل هذه الحقوق.وفي كل الأحوال، فإن فلسطين بحاجة إلى وفاق وطني حول أسس ومبادئ العمل السياسي الفلسطيني، لأنّ أحداً لا يجوز له أن ينسى أنّ فلسطين تحت الاحتلال، وأنها بحاجة إلى تعددية وتنافس في إطار الوحدة الوطنية.