لاشك ان الولايات المتحدة لم تكن حاضرة يوم معركة صفين ولا يوم موقعة كربلاء، كما أنها ليست مسؤولة عما تراكم بعد ذلك من احداث وحزازات امتدت على رقعة زمنية لمئات السنين، ولكنها وجدت واقعا قابلا للتحريض والاغراء بسبب الامية

ونقص الوعي وسوء توظيف المعتقد الديني الى جانب تحريم المجال السياسي واحتكاره من قبل السلطة فالاختلافات المذهبية داخل المعتقد الواحد يمكن لها ان تظل محصورة في تباين بعض الطقوس والتفسيرات، كما يمكن لها ان تكون مشروعا للانتحار الجماعي ولتدمير وتفسخ الكيان الواحد.

ان ما يرشح هذا الاحتمال الاخير هو توافر جملة من الشروط اهمها: سيطرة المشاعر الدينية وتجذرها في التربة الاجتماعية لمجتمع تعاني فيه الاغلبية من الامية ومن نقص في الوعي، بحيث يكاد يكون الدين هو قناة التنشئة الوحيدة التي تصل الى جميع افراد المجتمع، ففي مثل هذا الوضع لا تتدفق المعرفة الدينية فقط من خلال هذه القناة، بل تصبح مصدرا اساسيا للخرافات والاساطير

ولكل ما هو غير عقلاني، معتمدة في مصداقيتها على قداسة الدين في نفسية المتلقي المحدود الوعي فيصبح هذا الاخير ضحية اختلاط المقدس باللاعقلاني في ظل الغياب شبه الكلي لقنوات التنشئة الاخرى المعتمدة على المعرفة العقلية، فيغدو من السهل توجيه هذا الفرد

والدفع به الى المنزلق الطائفي او المذهبي عبر الخطاب الوحيد الذي يفهم مفرداته ويعتبره الدليل الذي من خلاله يتعرف على العالم كما يصبح المشتغلون بهذا الخطاب بالنسبة اليه هم مصدر الحقيقة الاوحد والموثوق به سواء في ما يتعلق بالآخرين اوفي ما يتعلق بشخصه وبالتالي يصبح هذا الفرد اداة طيعة وجاهزة للتوظيف في اي مشروع طائفي.

احتكار المجال السياسي فعندما تحتكر السلطة المجال السياسي، يصبح كل ما هو عام ومشترك مجالا محرما لا يجوز لافراد المجتمع النظر والخوض فيه باعتبار انه قد تم تحديد اهدافه ووسائله بشكل نهائي لا رجعة فيه من قبل السلطة، التي نصبت من نفسها قيما ووصيا على المجتمع

وبالتالي فإن شعور الفرد بالمسؤولية تجاه المشترك والعام يأخذ في التضاؤل، لذا فإن الفرد يبحث عما يمكن ان يعبر به عن وجوده وانتمائه الى وسط وجماعة بعيدا عما هو محرم من تنظيمات وكرد فعل على ذلك فانه يجد في الانكفاء الى الجماعة الاولية كالطائفة والاثنية والقبيلة، حلا جاهزا وتعويضا عن اي انتماء آخر وبالتالي تصبح الطائفة الوطن والسلطة اللتين ينتمي اليهما باقتناع ويساوره اليقين بأنه في حدود الطائفة يجد في نفسه الشعور بالعام والمشترك.

التدخل الخارجي: فلا شك ان تلاعب القوى الاجنبية بالنسيج الداخلي لجماعة تعاني من كبت سياسي ومن قصور في الوعي، يعد بمثابة الصاعق والمفجر لكل متراكمات الكبت التي تتحول الى عنف اعمى ينطلق في كل اتجاه، لأن ارتخاء او سقوط قبضة النظام القامعة والمسيطرة بفعل قوة اجنبية يعد هو الحلقة الاخيرة لانغلاق دائرة العنف المفرغة، وهذا عين ما جرى في التجربة العراقية،

فقد جرى التلاعب والتدخل معا، فلو ان اختفاء النظام كان بفعل القوى الداخلية لكان المشهد مختلفا عما هو عليه الآن، ولكن التغيير تم بفعل قوة خارجية قامت بتوظيف كل المعطيات التي اعتقدت انها ستعجل بانهيار النظام وتقصر من فترة المواجهة معه غير عابئة بما قد يترتب على هذا التوظيف في مرحلة ما بعد الغزو. لعل سقوط حجة اسلحة الدمار الشامل بعد ان ثبت عدم وجودها،

كان الدافع الاكبر لتركيز الدعاية السياسية الاميركية على حجتي التحرير والديمقراطية كمصوغ لعملية الغزو والاحتلال، فقد تصور خبراء السياسة الاميركية انه يمكن توظيف هاتين الحجتين لمصلحة استمرارية الوجود الاميركي في العراق بشكل مريح ولزمن طويل،

اذا ما تم اولا توليد اكثر من معنى لحجة التحرير للايحاء بأنها تعني ايضا تحرير طائفة مضطهدة ليس من عسف النظام الحاكم فقط، بل ايضا من تغول طائفة اخرى مقربة من النظام وكأن النظام لم يكن قاسيا ودكتاتوريا سوى ضد طائفة بعينها.

ثانيا التعامل مع مفهوم الديمقراطية على اساس نزع الغطاء عن المكبوت السياسي وفتح مسارات حرية التعبير والتنظيم في اتجاه الجماعات الاولية كالطائفة والاثنية والقبيلة، لأن تقوية هذه البنيات يجعل من التنظيمات الاخرى كالاحزاب والنقابات مجرد ادوات لخدمة الجماعات الاولية وليس الوطن الواحد بمعنييه السياسي والجغرافي،

وهذا هو التطبيق الوحيد لمفهوم الديمقراطية الذي لا يرى صناع السياسية الاميركية اي تعارض بينه وبين تجذر واستمرارية المصالح الاميركية في العراق، فمثل هذا الوضع يوفر من ناحية غطاء ديمقراطيا من الخارج ويمأسس تمزق النسيج الداخلي للمجتمع من ناحية اخرى

بحيث يتم داخل هذه الهياكل ممارسة الحرية السياسية ظاهريا بينما واقعيا ما هي الا تخندق عند حدود الطائفية والاثنية في حين يبقي مفهوم الوطن معلقا في الفراغ الذي لا يملؤه سوى الوجود العسكري والسياسي الاميركي ليمنع عنه اعتداء الطامعين من خارج الحدود الوهمية.

كاتب ليبي - جامعة بنغازي