من يبحث في المشهد السياسي العربي لا بد له من أن يخرج بنتيجة واحدة عنه، وهي أنه مشهد سياسي يتسم بقدر غير عادي من الارتباك والفوضى. بل ان البعض قد يذهب الى ابعد من ذلك ويقول انه مشهد يتسم باللامبالاة والرغبة الجامحة في الانتحار.

وإننا رغم ولوجنا للقرن الحادي والعشرين مازلنا مشدودين: دولة ومجتمعاً إلى مرحلة ما قبل ذلك بكثير، ولربما قد نذهب في ذلك سنين في التاريخ، ولربما عند البعض منا نحن العرب نذهب بضعة قرون. إنها حالة رغم اختراق العولمة لنا، وتجلياتها التقنية الهائلة في مجتمعاتنا، ورغم استمتاعنا بكم هائل من تقنيات العصر وأسبابه، إلا أننا مع ذلك مازلنا مشدودين عن العصر وأسبابه في شؤون إدارتنا لأنفسنا وفي علاقتنا بذاتنا والآخرين.

أقول ذلك وعيناي على لبنان وما يحدث فيه، وعجز فرقائه وأهله من أن يصلوا فيما بينهم إلى حل، وبدت الجامعة العربية كعادتها غير قادرة على الإتيان بالحل أو ابتداعه لأسباب هيكلية كامنة فيها والأخرى كامنة في الفرقاء المعنيين. كما وبدت الأطراف العربية التي هي حول لبنان وبعض الشيء بعيدة عنه،

عوضا عن تقديم المساعدة في حل معضله السياسي، وكأنها تشحنهم كلاما وعتادا، بل باتوا يدفعون بالأطراف المختلفة نحو التشدد. فلا فريقاً أو نظاماً يقدم حلولا وسطا في علاقته بمجتمعه أو في علاقته بالآخر. فإما الشهادة أو النصر، وإما الصدر أو القبر، أو عليّ وعلى أعدائي.

وفي فهم البعض فإن شعوبنا أو بالأحرى مجتمعاتنا قاصرة عن أن تقرر ما تريد أو أنها عند بعضنا الآخر كذلك ووفق فهمه، تعمل بأجندة خارجية، بل قد نرى في بعض حالاتنا قطاعات رسمية تعمل في غير نفع مجتمعاتها أو أن تعمل على تدمير نسيج مجتمعاتها، ويأتي الخير لها دون غيرها.

أو أن نرى شعوبا قد فقدت البوصلة أو أن قواها السياسية قد فقدت القدرة على القيادة، أو أنها كبعض حكوماتها قد خرجت من العصر وتجلياته، وتكلست إن لم يكن شاخت بها أفكارها، وأصبحت عاجزة عن فهم العصر ومواكبة تحولاته، ولكل ذلك فإن خوفي أن يأتي الخراب مدمرا لنا جميعا.

فهل عَدِم لبنان من العقل والعقلاء؟. وقلبي يعتصر لحال عراق قد غرق أو أغرق بأيدي أبنائه في بحر من الفرقة والاقتتال، وبات الدم والموت ورائحة البارود والموتى وقطع الرؤوس وجزها والتعرض للنساء والأطفال، واغتيال عقوله وخبراته أو تهجيرها، سمة عراق اليوم، وبات شعبه مشحونا بالحقد ضد نفسه وفاق قتلهم لبعضهم البعض، ذلك القتل القادم لهم على أيدي الآلة العسكرية الأميركية وجنودها.

وباتوا غير قادرين على حل معضلهم سواء أكان ذلك بوسيط أو بغيره. واستعصى عليهم الأمر وبات قَدَرَهم الموت والدمار، وبات الخارج منهم يشحن من هو في الداخل، وبات العرب من أقصاهم إلى أقصاهم كل بمن هوى وتأثر؛ يشحن هذا الفريق ضد أخيه الآخر.

ودخل الإقليم في عمومه بعربه وعجمه: عرب شامه وعرب صحاريه وعربه الأفارقة، في لعبة شحن لن تنتهي كما يبدو إلا «بعد خراب البصرة» كما يقولون. كل ينتقم منهم وبهم من الآخر الذي احتلهم، وبدا الحجاج ولربما التتار في قتله وتدميره لهم أرحم من قتلهم لأنفسهم.

أرى دولاً في شرق الكون وغربه، والتي كانت قبل ثلاثة عقود من هذا الزمان خارجة عن العصر، وإذا بها داخله فيه وسابقة لعصرها. وأرى نموذجا في شرق هذا الكون رغم اختلاف مكوناته ومآزقه الكثيرة التي مر بها، إلا انه قد استطاع أن يقدم نموذجا جديدا، بدت دونه الكثير من النماذج.

بدا هذا النموذج عملاقا ليس فحسب فيما يتعلق بإنجازه التقني وإنما في قدرته على تطويع الجموح الأميركي، بل وفي قدرته غير العادية والهادئة على كبح جموحه الدائم. وبدا العملاق العالمي غير قادر على أن يكون وحيدا ومنفردا فيما يتعلق بموقفه أو سياساته من الدولة «الآسيوية المارقة»: كوريا الشمالية.

بل في كل ما يتعلق بالقارة في جزئها الشرقي. وبالمقابل فإننا كأمة بتنا عاجزين عن كبحه أو حتى في تلافي أخطائه الاستراتيجية الكثيرة. بل وبات البعض منا يعمل على تعميق ذلك في غير صالح أمته ووطنه، وهنا كان الإخفاق والعجز عن رؤية البعيد الذي لا يرى إلا بعقل، بدا اننا قد أضعناه سنين طويلة، فمتى يا ترى يعود إلينا الوعي وعقله؟!

كاتب بحريني