قد يكون مفهوما - وإن بقي غير مبرر - أن ينشغل العامة بالأحداث الساخنة التي يعلبها الإعلام العربي وينقلها بمنطق «التيك أواي» ساخنة ومثيرة بينما يقتصر اهتمامنا على محنة التخلف الاقتصادي المزمنة على تعليقات متحسرة تتلو ظهور تقرير تنموي دولي تفجعنا حقيقته، ذاهلين بقية العام عما ينمو تحت السطح من مخاطر هي أشد فتكا من تجاذبات أكثرية لبنان وأقليتها ومشاحنات الرئاسة الفلسطينية وحكومتها المنتخبة
و.. ..غيرها من الملفات التي هي بالفعل ساخنة لكن الانشغال بها - وحدها - هو نوع من الاهتمام بالمرض «الأكثر إيلاما» على حساب المرض «الأخبث»! لقد تجاوز العالم العربي مرحلة الإنكار والتجاهل للأزمة الاقتصادية فهناك الآن إقرار أوسع بأن خيارات جربت لعقود لم تؤت ثمارها وأن تغييرا كبيرا لم يعد منه مفر
لكنه ما زال مؤلما بدرجة تجعل الشروع فيه مؤجلا لفترة طويلة فالانتقال من المبدأ للتطبيق إحدى نقاط ضعف الحكومات العربية فالقوانين والأنظمة والقرارات الإجرائية والتشريعات، تواجه كلها المقاومة والتأجيل وحتى الإعاقة عندما تصل لمرحلة التطبيق،
فغالبا يتم تنفيذ القرارات التي تتضمن أهدافا بعيدة المدى على نحو روتيني وبطيء وخال من الحيوية بل يترافق تنفيذها أحيانا مع نية إبطال مفعولها. وانظر إلى عمليات الخصخصة المتعثرة في عدد من البلدان العربية التي «قررت» بالفعل قبول إعادة هيكلة اقتصادها بينما تمت خصخصة اقتصادات دول كانت لعقود جزءا من حلف وارسو في ثلاثة أعوام فقط!
وتواجه الأفكار والسياسات المبتكرة المتعلقة بالنمو الاقتصادي والتغيير الاجتماعي ردود فعل محافظة وقد تناول ألبرت هيرشمان مؤلف «لغة رد الفعل البلاغية» هذه الظاهرة فركز على «المواقف والمناورات الجدلية الرئيسة التي من المرجح أن يلجأ إليها أولئك الذين يصممون على معارضة السياسات والتيارات الفكرية الإصلاحية، وعلى إفشالها»، والنخب العربية هي فعلا جزء من المشكلة بدلا من أن تكون جزءا من الحل رغم أن دورهم ذو أهمية فائقة في هذا السياق.
ووسط صخب الجدل عن التوافقات وحكومات الوحدة الوطنية والنزول للشارع والاتجاه نحو الخارج والنظر بعيدا عن مكامن الضعف الحقيقية في الواقع العربي لم يفكر المثقفون العرب بجدية في كتابة «روشتة» للنهضة بالحماس نفسه الذي يدبجون به «وصفات» المواجهة
بل لم تبق طاقة فكرية ولا نفسية لدفع مشروع عربي للبناء طويل الأمد رغم أن تجارب شرق آسيا النهضوية تمنح أسرارها لمن يريد ويمكن اختصارها في علاجين: التعليم والديمقراطية، فالتعليم استثمار تجنى نتائجه على المدى البعيد وكما يقول المثل السائر: «إذا كنت تخطط لسنة، ازرع بذرة.
وإذا كنت تخطط لعشر سنين، ازرع شجرة وإذا كنت تخطط لمئة سنة فعلم الشعب» والديمقراطية بلا تعليم هي رياء بلا حدود، ولا يكمن هدف التعليم العام في خلق نخبة لامعة، بل في إنتاج مستوى عال من الكفاية. وعندما يكون سلم الأولويات مختلا فإن الشعارات الأيديولوجية تصبح تعبيرا عن «الإرادة» لا عن «القدرة»
وتلجأ الأمم عادة لسد هذه الثغرة بين الإرادة والقدرة إلى بناء عالم من التصورات الخاصة والتفسيرات التي توفر حالة من السكينة الموهومة وبعدها يتضخم بالتدريج دور النخبة القائدة ومعها القائد الكاريزما في الحفاظ على الإحساس بالاطمئنان وهو ما توفره في المجتمعات المتقدمة معدلات الإنجاز العالية ودرجة رقي كفاءة الدولة في الحفاظ على استمرار الإنجاز من ناحية ومن ناحية أخرى عدالة توزيع عوائده.
وفي غياب التعليم الجيد والتداول السلمي الشفاف للسلطة يكون الحكام والمحكومون مهيئين لإسباغ القداسة على الميول الجماعية دون إخضاعها للتمحيص وتتحول إلى موقف مبدئي لا تجوز مناقشته و«فطرة» إنسانية لا تتغير، ومن هذا الباب دخلت فكرة كراهية الرأسمالية ووصفها بأبشع الأوصاف واعتبارها مؤامرة غربية لإفقار الشعوب.
وفي كتابه «لغز رأس المال» وهو عمل رائد وإنجاز فكري لهير ناندو دي سوتو وعنوانه الفرعي: «أسباب نجاح الرأسمالية في الغرب وفشلها في كل مكان آخر». وفي كتابه يقرر دي سوتو أن لحظة الانتصار الكبرى للرأسمالية هي لحظة مواجهتها أزمة فانهيار جدار برلين أثبت أن الرأسمالية تؤمن في حد ذاتها إطار عمل قابل للاستمرار لتطوير اقتصاد حديث وإدارته،
بينما في البلدان النامية ينظر إليها على أنها تؤمن الرفاهية لأقلية ذات امتيازات وسط بحر هائل من البؤس البشري. ويتحدى دي سوتو هذه الانتقادات بقوله إن مدن العالم الثالث والبلدان الشيوعية سابقا تعج بأصحاب المشاريع وإن سكانها حتى الأشد فقرا بينهم تقتصد المال وتشتري الممتلكات،
ففي مصر وحدها تفوق ممتلكات الفقراء بمعدل 55 مرة قيمة الاستثمارات الأجنبية بما فيها تمويل قناة السويس وسد أسوان. وبحسب حسابات دي سوتو فإن القيمة الإجمالية للعقارات التي يحتفظ بها الفقراء في بلدان العالم الثالث والدول الشيوعية سابقا لا تقل عن 3 ,9 تريليونات دولار. أما الحقيقة المحزنة بحسب هيرناندو فهي أن ممتلكات الفقراء الهائلة هذه تظل «رأسمالا ميتا»!
وترتبط هذه الحقائق بوجهة نظر سائدة، لكن خاطئة، هي أن المال ينتج رأس المال، والواقع هو أن من ينتج رأس المال هم الأشخاص الذين «ساعدتهم أنظمة ملكيتهم على التعاون وعلى التفكير في كيفية توجيه الممتلكات التي جمعوها نحو مزيد من الإنتاجية».
وأن الزيادة البارزة التي شهدتها رؤوس الأموال في الغرب خلال العقدين الماضيين هي ناتجة من أنظمة الملكية التي تم إصلاحها بحيث تتيح فرصا جديدة لأصحاب المشاريع الصغار ليستخدموا ممتلكاتهم هذه في إدرار أموال غير تضخمية يمكنهم بواسطتها تمويل مزيد من الإنتاج والثروات للدولة.
إننا كما يقول الخبير الاقتصادي الباكستاني المعروف نجم الثاقب خان «لا يمكننا أن ننتهك بلا عقاب قوانين التقدم الاقتصادي التي اختبرها الزمن ولا أن نشيح بنظرنا عن الدروس الواضحة التي يمكن استخلاصها من قدر المجتمعات الجامدة وغير الفاعلة ولا كذلك أن نتوهم بأننا قد منحنا مناعة خاصة ضد عواقب مقاومتنا الراسخة للتغيير.
يجب أن نتخلى عن سيكولوجيا تلبس حال الضحية وعن البحث عن الأدوية البسيطة التي تشفي كل الأمراض وأن ننتبه إلى ضرورة تغيير المواقف السائدة وتأسيس رأس مال إنساني واجتماعي ومؤسسي بإيقاع سريع».
وأول القواعد التي لا يمكن انتهاكها بلا عقاب أن التقدم بصيرة بقدر ما هو إرادة وصبر بقدر ما هو حماس ومناخ عام سياسي وثقافي بقدر ما هو إحصاءات عن الموارد، وأن الاقتصاد قد أصبح الأساس الراسخ لحماية الكرامة والسيادة والهوية وأن السياسة هي حصاد ما نغرسه في عالم الاقتصاد.
كاتب مصري