حققت تجربة الإمارات في غزو الصحراء نجاحا مؤكداً بفضل الإرادة والتخطيط والعمل من خلال إدراك واع بأن عملية التنمية لا يجب أن تتم على حساب البيئة، وأن مسارات التنمية لابد أن تتلازم مع مسارات حماية البيئة بحيث لا تأتي التنمية على حساب البيئة، كما لا تقف جهود حماية البيئة مانعا لحركة التنمية.
ذلك أن معظم ما يعاني منه عالمنا على كوكب الأرض من مشكلات بيئية تهدد سلامة الحياة الإنسانية إنما نتجت وتنتج من أن سعي مسيرة معظم دول العالم نحو التقدم جرى على ساق واحدة هي تحقيق التنمية فقط، وإذ تم ذلك في الغالب على حساب البيئة فإن تلك المسيرة على ساق واحدة جاءت مسيرة عرجاء أجبرت العالم على عقد المؤتمرات وتوقيع الاتفاقيات والبروتوكولات لبحث معالجة نتائجها ومحاولة حل مشكلاتها البيئية.
لكن الإدراك الواعي لدولة الإمارات استلهاما لفكر زايد بضرورة تلازم المسارين التنموي والبيئي جعل تجربتها ومسيرتها تتحرك على ساقين اثنتين لا على ساق واحدة، ولم تنظر بعين واحدة بل بعينين اثنتين، عين على التنمية وعين على البيئة، فكان أهم ما يميز تجربتها هو أن مسيرتها جاءت متوازنة. ففي حين أنها في سعيها لبناء التنمية لم تغفل سلامة البيئة، فإنها أيضاً في سعيها لحماية البيئة لم يتم ذلك على حساب التنمية.
إن الجهود والخطط والتشريعات التي شكلت ملامح التجربة البيئية لدولة الإمارات سواء في مجال تخضير الصحراء أو مكافحة التصحر كانت في الواقع جهوداً جبارة وما وصلت إليه هذه التجربة من نتائج باهرة يجسد ويكشف الحجم الكبير لهذه الجهود. إن منظومة التشريعات البيئية التي صدرت والتي تهدف إلى حماية البيئة إنما استهدفت في ذات الوقت سلامة التنمية، وفي الوقت ذاته فإن الخطط التي وضعت لإنجاز التنمية الزراعية استهدفت سلامة البيئة.
لقد تم ذلك عبر عدة تشريعات استهدفت حماية وتنمية مصادر المياه، والمحافظة على التنوع البيولوجي والمحافظة على التربة، وسلامة الهواء من التلوث، وحماية النباتات والأشجار والمزارع، وسلامة استخدام المبيدات الزراعية، والحفاظ على المحميات الطبيعية وإنشاء العديد والجديد منها.
إلى جانب جهود ضخمة في دعم وتشجيع البحوث العلمية والمؤتمرات المتخصصة للوصول إلى استخدام التقنيات الحديثة في الزراعة والري واستنباط الأنواع الملائمة من الأشجار والنباتات الملائمة للتربة والمناخ والمقاومة للملوحة.
ولم تبخل الدولة في ذلك فأنشأت العديد من مراكز البحث العلمي المتخصصة في هذه المجالات، وكان من نتيجة ذلك كله الوصول إلى التجربة الرائدة والمتوازنة في مجال غزو الصحراء وزيادة مساحة اللون الأخضر على حساب المساحة الأوسع للون الأصفر على أراضي الدولة.
تخضير الصحراء، هذا جانب من الصورة حققته دولة الإمارات بفضل الله ويبقى جانبها الآخر مكافحة التصحر، وهنا يلزم أن نوضح أن صورة التجربة البيئية لدولة الإمارات العربية المتحدة لها وجهان الأول هو غزو الصحراء والثاني هو مكافحة التصحر، ويحدث أحيانا لدى البعض التباس بين المفهومين ونوع من الخلط بين الوجهين للصورة الواحدة.
فما هو الاختلاف بين الوجهين؟ فالصحراء واقع طبيعي ينتج في مناطق تقل فيها الأمطار ويتميز مناخها بالحرارة، ونظراً لندرة المياه وحرارة المناخ تكون الطبيعة صحراوية غير زراعية وإن لم تخل من واحات زراعية حيث تتوافر المياه.
من هنا فإن اقتحام هذه الصحراء الطبيعية والقيام بزراعتها تصبح عملية تنمية خضراء لهذه الأرض الصفراء ويمثل غزواً ناجحاً لتخضير هذه الصحراء عن طريق توفير مصادر مياه لها وتغذية تربتها واختيار النباتات والأشجار القابلة للزراعة في المناطق الحارة والتي لا تحتاج إلى مياه وفيرة.
أما التصحر، فإنها عكسية إذ ان الأرض الزراعية بالطبيعة تتغير طبيعتها بفعل تغير العوامل المناخية أو التأثير السلبي لممارسات البشرية فتتدهور حالتها وتصبح غير صالحة للزراعة وتجف لتتشابه في ذلك مع الأرض الصحراوية.
وما عرضناه في الوجه الأول لصورة التجربة البيئية الرائدة لدولة الإمارات هو سعي لزيادة استزراع أرض لا تتوافر بها عوامل الزراعة بتوفير هذه العوامل.بينما مكافحة التصحر استهدفت وقف الغزو العكسي لزحف التصحر على الأرض الزراعية وذلك بمنع توافر عوامل تدهور الأرض.
وفي هذا المجال قد وقعت دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1998 على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر والتي نتجت عن مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية المعروفة بقمة الأرض التي عقدت بريو دي جانيرو بالبرازيل عام 1992، والتي وجه فيها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، رسالة إلى رؤساء دول العالم تبقى إلى اليوم وثيقة في غاية الأهمية لعلاقة الإنسان بالأرض وعلاقة الأرض بالسماء وأكدت هذه الرسالة الهامة على أن إصلاح حالة الأرض ليس لها من طريق إلا بإصلاح علاقة الإنسان برسالات السماء.
وتركز اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر على ضمان اتخاذ إجراءات فعالة على جميع الأصعدة والعمل وفق استراتيجية متكاملة طويلة المدى تركز في آن واحد في المناطق المتأثرة على تحسين إنتاجية الأراضي وإعادة تأهيلها والحفاظ على الموارد الأساسية وهي الأرض والمياه وإدارتها إدارة مستدامة لتحسين أحوال المعيشة على المستوى الدولي وعلى مستوى المجتمعات المحلية أيضاً.
وتشمل التزامات الدول الموقعة على هذه الاتفاقية إعطاء الأولوية الواجبة لمكافحة التصحر وتخفيف آثار الجفاف وتخصيص الموارد المالية الكافية طبقاً لقدرات وظروف كل دولة، ووضع استراتيجيات وأولويات في إطار خطط وسياسات التنمية المستدامة
ومعالجة الأسباب الأساسية للتصحر وإعطاء اهتمام خاص للعوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تسهم في مشكلة التصحر، بالإضافة إلى تعزيز وعي المجتمعات المحلية وتيسير مشاركتها في الجهود الرامية لمكافحة التصحر وسن التشريعات اللازمة وتعزيز القائم منها والذي له علاقة بهدف مكافحة التصحر.
وقد سعت ومازالت تسعى دولة الإمارات في مجال مكافحة التصحر إلى التركيز على حل المشكلات المتصلة بملوحة المياه وجهود غسيل التربة وذلك باعتبار أن الملوحة هي واحدة من أهم العوامل المؤدية إلى تدهور التربة والأراضي الزراعية وزيادة معدل التصحر.
وفي إطار جهود الإمارات الرائدة لمكافحة التصحر استضافت مدينة أبوظبي المؤتمر الوزاري الآسيوي الثاني للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر والذي نظمته الهيئة الاتحادية للبيئة بدعم من ديوان صاحب السمو رئيس الدولة بما يعكس اهتمام الدولة بالجهود الدولية لمكافحة التصحر.
وقد وجه المغفور له، بإذن الله، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كلمة هامة إلى هذا المؤتمر أكد فيها حرص دولة الإمارات العربية المتحدة على أخذ الاعتبارات البيئية في الحسبان في عملية تخطيط وتنفيذ نهضتها التنموية الشاملة وخصوصاً فيما يتصل بالنهضة الزراعية موضحاً سموه جهود الدولة في هذا المجال على المستوى العلمي والتقني والتشريعي والتثقيفي.
وقال رحمه الله إن مشكلة التصحر باتت تؤرق الكثير من المسؤولين على مختلف مستوياتهم نظراً لتأثيراتها السلبية على عدد كبير من البشر في مناطق مختلفة من العالم وعلى برامج التنمية الرامية إلى تحسين مستوى المعيشة في هذه البلدان.
كما أعرب عن الشعور البالغ بالقلق إزاء التناقص المستمر في رقعة الأراضي الزراعية وتدهور إنتاجيتها واتساع ظاهرة التصحر في كثير من بقاع الأرض مقابل التزايد المستمر في أعداد السكان وتزايد احتياجاتهم الغذائية.
مشيراً إلى أن ارتباط مشكلة التصحر بمسألة الفقر يشكل تحدياً صارخاً للمجتمع الدولي ويرتب عليه مسؤوليات كبيرة ينبغي له العمل على مواجهتها دون إبطاء، وشدد سموه على ضرورة العمل على إعادة ترتيب الأولويات وإيلاء هذه القضية الاهتمام اللازم باعتبارها مدخلاً لمعالجة قضايا الفقر والبطالة.
وقد أتاحت استضافة دولة الإمارات صاحبة التجربة الرائدة في استصلاح الأراضي الصحراوية لهذا المؤتمر الإقليمي الهام للمشاركين فيه فرصة الاطلاع عن كثب على تجربة غنية وناجحة وأبقى باب الأمل مفتوحاً ليس في إمكانية الحد من تدهور المزيد من الأراضي الزراعية فحسب بل في إعادة تأهيل ما تدهور منها.
في النهاية، فإن الجهود الضخمة التي قادها المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في تحقيق هذه النهضة الكبرى في الإمارات على قاعدتين هما بناء التنمية وسلامة البيئة بقيت مثار إعجاب واحترام العالم فكان جديراً بجائزة «بطل الأرض» العالمية وشاهدا خالدا على دوره الحضاري البارز.
كاتب مصري