بوش يستضيف باقر الحكيم في البيت الأبيض، كما لو كان الزعيم الشيعي العراقي رئيس دولة حليفة، ولكن هل خطر ببال الرئيس الأميركي أنه في حالة قيام الولايات المتحدة بهجوم عسكري على إيران، فإن نحو 140 ألف جندي في العراق يصبحون على الفور رهينة لدى «لواء بدر» ـ الميليشيا الشيعية الرئيسية التابعة لباقر الحكيم؟

على مدى ثلاث سنوات ونصف السنة ظلت القوات الاحتلالية الأميركية في حال تحالف قتالي ضد خصم مشترك هو المقاومة القومية المسلحة ذات الطابع السني.استمرأت إدارة بوش هذا الوضع المريح نسبياً الذي من شأنه تقليص خسائرها البشرية من دون أن تتوقف لتذكر نفسها بأن ما يربط بينها وبين «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق»، التنظيم الشيعي القيادي، ليس سوى حلف تكتيكي مؤقت وأن ما يجمع بين التنظيم وإيران تحالف استراتيجي أيديولوجي ذو طبيعة مستديمة.

جيمس بيكر ـ السياسي «الجمهوري» المخضرم ووزير الخارجية في عهد بوش الأب ـ حاول تذكير بوش الابن بهذه الحقيقة، فقد نصح الإدارة الأميركية بفتح قناة اتصال مع القيادة الإيرانية بشأن المعضلة العراقية، لكن المشكلة الأساسية لإدارة بوش هي أنها مرتهنة إلى أجندة مجموعة «المحافظين الجدد» التي بدورها تلتزم بالأجندة الاستراتيجية الإسرائيلية.

إسرائيل تدفع الولايات المتحدة الآن على طريق يؤدي بها في مرحلة ما إلى شن هجوم شامل على إيران أو موافقة إدارة بوش على أن تتولى إسرائيل هذه المهمة بنفسها، وهذا مما يفسر لماذا يرفض جورج بوش الإصغاء إلى جيمس بيكر.في هذا الصدد تقول صحيفة «فاينانشيال تايمز» اللندنية إنه إذا وقع مثل هذا الهجوم فإنه سيكون كارثة إقليمية وعالمية.

وزير الدفاع الأميركي الجديد روبرت غيتس أعلن أنه ليست هناك خطط أميركية لغزو إيران «إلا كخيار اضطراري أخير». لكن مثل هذا القول المشروط لا يبعث على طمأنينة، فكأن الوزير الأميركي أراد ترك الاحتمالات مفتوحة واضعاً في الاعتبار الضغوط الإسرائيلية المتصلة على واشنطن.

على مستوى الإعلانات الرسمية تحاول إدارة بوش إقناع العالم بأن سبب العداء الأميركي لايران هو سعيها لتصنيع أسلحة نووية . لكن العداء الأميركي يمتد في الحقيقة لأكثر من ربع قرن للوراء، أي منذ سقوط نظام الشاه بعد انتصار ثورة إسلامية على رأس أجندتها الخارجية «تحرير القدس».

وبينما يمكن أن نعتبر أن مسألة البرنامج النووي الإيراني أمر طارئ في سباق العداء الأميركي لإيران فإنه أيضاً أمر ذو صلة بإسرائيل، فالولايات المتحدة ترى أنه إذا تطور البرنامج الإيراني إلى مستوى إنتاج أسلحة نووية فإنه سيؤدي إلى تحييد الاحتكار النووي الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط.

هكذا ستمضي إسرائيل من خلال طغمة «المحافظين الجدد» في دفع الولايات المتحدة لضرب إيران. لكن أي هجوم عسكري على إيران سيؤدي حتماً إلى ضربات إيرانية مضادة وحرب استنزاف طويلة المدى ليس فقط في جميع أنحاء الشرق الأوسط بل وخارج المنطقة أيضاً.وأولى حلقات المسلسل الدامي سوف تتجسد في العراق، حيث ستكون القوات العراقية هدفاً للميليشيات الشيعية بقدر ما ستبقى هدفاً لقوات المقاومة الوطنية السنية.