على قاعدة الحوار البنّاء الذي دعت إليه سورية منذ ما قبل غزو العراق، والذي كرسته مجموعة بيكر ـ هاملتون في تقريرها عن الوضع العراقي، استقبلت دمشق، وتستقبل، وفوداً أميركية عالية المستوى، تمثل بشكل خاص الكونغرس والمؤسسات السياسية والفكرية.

العنوان الأساسي لهذه الزيارات، كما تفهمه سورية، هو الحوار حول قضايا المنطقة العربية وبشكل خاص العراق والأراضي الفلسطينية ولبنان، ولكن وللأسف الشديد فإن بعض هذه الوفود التي سبق ان زارت دمشق جاءت لهدف آخر أقل ما يقال فيه نسف الحوار، والاساءة الى مواقف سورية، وتعويم أفكار المحافظين الجدد التي تتلاقى كلياً مع الأفكار والمخططات الإسرائيلية التخريبية في المنطقة، وأبرز مثال على ذلك عضو الكونغرس بيل نلسون الذي حاول من بيروت تشويه صورة سورية، عبر تفوهه بكلام لا أساس له من الصحة. ‏

في كل الاحوال فسورية تريد الحوار البنّاء الذي يلامس مشاكل المنطقة، ويؤسس لأوضاع تحقق السلام العادل والأمن والاستقرار والنمو الاقتصادي، وهي في كل المعايير أدرى بشؤون المنطقة وأكثر حرصاً بكل تأكيد من الأميركيين على استقرارها وأمنها، لكونها تتأثر مباشرة بالهزات الحاصلة من جراء الاحتلالين: الإسرائيلي والأميركي وما يستتبعهما من محاولات اللعب بالوضع اللبناني الداخلي لحساب مشروعات خارجية. ‏

والأميركيون يدركون جيداً حقيقة هذا الموقف السوري، ولكن إدارتهم، ولأسباب إسرائيلية، تعمل بكل ماتملك من نفوذ لتغيير المعايير، والتضييق على سورية وإلصاق التهم بها، والتآمر عليها الى درجة محاولة العبث باستقرارها، وقد عبّر مسؤولون كبار في إدارة بوش عن هذه النيّات السيئة. ‏

وعليه فسياسة الإدارة ومواقفها السلبية المسبقة تحد الى درجة كبيرة من فاعلية الحوار الجاري، وتدفع لتعقيد الأمور بدلاً من تسهيلها وإيصالها الى الأهداف المرجوة التي من شأنها حل قضايا ومشكلات المنطقة وتحقيق المصالح الأميركية في آن واحد. ‏

الحوار كما يفترض أن يكون وكما تفهمه سورية، لا يتم بفرض الآراء ولا باستجلاب «الحلول» الجاهزة، وإنما هو عملية تبادل أفكار متكافئة، والقبول بالحقيقة وليس الواقع، والنظر الى القضايا المتداولة من منظور شامل، بما يؤدي الى القبول بحقوق الآخرين، وهي بالنسبة الى سورية استعادة أرضها المحتلة وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة، وإزالة الضيم الواقع على الشعب العراقي من جراء الاحتلال، ومن ثم تحقيق الأمن والاستقرار والازدهار الذي تتطلع إليه شعوب المنطقة، وتحمّل الإدارة الأميركية مسؤولية عدم بلوغه.‏