قرأنا أمس عن تمكن الأجهزة المختصة في وزارة الداخلية من كشف عملية تزوير في التأشيرات كانت تتم في إدارة الجنسية والإقامة في العين. إذ استغل ضباط وشرطي الصلاحيات المُعطاة لهم فخرقوا القانون وقبلوا الرشوة لإصدار تأشيرات زيارة لعمال بنغاليين، بالتنسيق مع بنغاليين يعملون «فراشين» في الإدارة.
الخبر أرّقنا لأن خيانة الأمانة فيه جاءت من أبناء وطن نثق بهم، ونفترض أنهم الأكثر أمانة على استقرار هذا المجتمع وأمنه. فأي مبلغ رشوة مغر قدمه البنغاليون لموظفي الشرطة ليبيعوا أمانتهم؟ وما هو المبرر الذي جعلهم يخالفون قوانين وضعت لتحدَّ من المتاجرة بالتأشيرات واستجلاب عمالة لسنا بحاجة لها؟
إن ما قامت به وزارة الداخلية بدءاً بإعلان أسماء المتورطين، والجهات التي تورطت في المسألة، بالإضافة إلى طلب الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية استجواب الإدارات الأخرى وتوسيع نطاق التحقيق، إجراءات كانت في محلها، وأكدت مبدأ الشفافية العالية التي تعمل وفقها وزارة الداخلية، والتي ينبغي أن تكون سياسة المؤسسات الأخرى حتى لا يكون بيننا مفسدون يعبثون باستقرار مجتمعنا والأمن فيه.
لا ندّعي الكمال، فمجتمع الإمارات حاله حال أي مجتمع آخر يبيع فيه البعض ضمائرهم مقابل دراهم معدودات، لكن قليلاً من المؤسسات تضع حداً لهؤلاء المفسدين والمجرمين الذين يسيئون التصرف ويستغلون صلاحياتهم ضد أنفسهم وضد مصالح أوطانهم.
وهو الأمر الأهم الذي أشار إليه الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد عندما قال: «المهم ألا يفلت هؤلاء من القانون». وهذا الأمر يجعلنا نأمل من الجهات المسؤولة متابعتهم ومراقبتهم وملاحقتهم قبل أن يستشري الفساد وتتكرر الأخطاء في مؤسساتنا وتعمّ الفوضى، حينها سنصبح أمام وضع كارثي لن نستطيع مواجهته.
إذا كانت قلة ممن يعملون في الجنسية والإقامة قد خانت الأمانة من أجل مبالغ ربما تكون زهيدة نستشفها من أوضاع من قدموا الرشوة وهم فرّاشون بنغاليون، فلنكن واثقين بأن هناك بعض المؤسسات والدوائر ربما يكون بيع الضمير فيها وخيانة الأمانة بأموال طائلة يستفيد منها الذين يستغلون صلاحياتهم.
إن الرسالة التي بعثتها وزارة الداخلية في هذه القضية لابد وأن تكون محل اهتمام كل مسؤول يقع على عاتقه الكشف عن حالات مشابهة، ويقع ضمن مسؤولياته تشديد الرقابة على العاملين في المؤسسات، فالمال السايب كما يقال يعلم السرقة. الدولة لم تقصر في رواتب رجال الشرطة، ولو كانت حاجتهم ماسة للمال لكان بوسعهم اللجوء إلى طرق مشروعة بدل أن يبيع البعض منهم ضمائرهم ويخونوا الأمانة ليسيئوا إلى أجهزة يعملون تحت لوائها.
إذا كان هذا حال بعض رجال الشرطة والضباط الذين يفترض أنهم أفضل حالاً من غيرهم من الموظفين، فكيف إذن نتخيل حال موظفين صغار ربما يبيعون ضمائرهم بسبب ضيق الحال؟ التساؤل كبير والإجابة عنه أكبر بكثير.