لا أعرف لماذا لم يثر اختفاء المستشرق الفرنسي الكبير روجيه أرنالديز أي فعل أو بالأحرى ردة فعل في الجهة العربية. فعلى حد علمي لم يذكر أحد هذا الحدث ولم يثر لدى الكتاب والصحافيين أي مقالة في جرائدنا ومجلاتنا. أقول ذلك وأنا أتمنى أن أكون مخطئاً. فالرجل عالم متبحر في العلم وله مؤلفات عديدة عن التراث العربي الإسلامي.

وكان يستحق بعض الاهتمام من قبلنا لأنه أمضى حياته المديدة (95 سنة) في دراسة تراثنا الديني والفلسفي. مهما يكن من أمر فإن هذا المفكر الذي مات بالأمس القريب في باريس كان قد شغل طيلة حياته بإقامة المقارنة بين الأديان الثلاثة: أي اليهودية، فالمسيحية، فالإسلام.

وقد حاول جاهداً اكتشاف أوجه التشابه والاختلاف فيما بينها. وكان مؤرخاً رصيناً يتبع المنهجية العلمية في البحث دون أن يتخلى عن إيمانه المسيحي العميق الذي يتسع للتيارات الصوفية والروحانية في الإسلام أيضاً. والواقع أنه كثيراً ما عبر عن إعجابه بروحانية الدين الحنيف وشخصياته الكبرى من أمثال الحلاج، وابن عربي، والغزالي، وابن رشد، وابن سينا، الخ، ولكنه كان ضد التيار الفقهي أو الأصولي المتشدد الذي ولّد التيارات السلفية المنغلقة أو الحركات الجهادية المتعصبة ضد الآخرين.

من أهم الدراسات المقارنة بين الأديان التي كتبها أرنالديز يمكن أن نذكر كتاباته عن مكانة يسوع المسيح في الفكر الإسلامي. وهي مكانة عالية بدون شك وتجيء بعد مكانة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) مباشرة. وقد خصص لدراسة الموضوع كتابين كبيرين هما: عيسى بن مريم نبي الإسلام (1980)، ثم يسوع في الفكر الإسلامي (1988) وهو تتمة وتوسيع للكتاب الأول. وكان منطلق أرنالديز هو التالي:

لقد أصبح الإسلام هو الدين الثاني في فرنسا بعد المسيحية في مذهبها الكاثوليكي. فعدد المسلمين يتجاوز الخمسة ملايين، هذا في حين أن عدد اليهود لا يتجاوز السبعمئة ألف نسمة، وقل الأمر ذاته عن أتباع المذهب البروتستانتي. ويوجد في فرنسا الآن أكثر من ألف جامع وأكثر من ستمئة رابطة وجمعية إسلامية. وبالتالي فلم يعد ممكناً تجاهل المسلمين المقيمين على الأرض الفرنسية.

ولذا فإن البروفيسور أرنالديز يدعو إلى فتح حوار بين المسيحيين والمسلمين من أجل الاعتراف بالآخر وتحقيق السلام الاجتماعي دون أن يتخلى أحد عن خصوصيته أو عقائده. فحق الاختلاف مشروع ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكنه لم يشأ..، ويرى أرنالديز أن للمسلمين الفضل في الاعتراف بالأنبياء السابقين وبخاصة موسى وعيسى وبقية أنبياء بني إسرائيل. فهم مبجلون جميعاً في القرآن الكريم والتراث الإسلامي ككل. ولكن هذا لا يعني أن تصور المسلمين لعيسى بن مريم هو نفسه تصور المسيحيين.

فهناك اختلافات مهمة بين التصورين. وعن طريق المقارنة بين النصوص الإسلامية والنصوص المسيحية نستطيع التوصل إلى فرز هذه الاختلافات. وبالتالي فبحثه يندرج ضمن الإطار العريض لتاريخ الأديان المقارن كما قلنا. وللأسف الشديد فإن هذه المادة شبه معدومة في جامعاتنا العربية. وهذا نقص كبير في تعليمنا لأنه عن طريق المقارنة تتوضح الأشياء.

وبواسطة المقارنة يتوسع إدراك الإنسان وعقله فلا يعود منغلقاً داخل تراث واحد ومتعصباً له بشكل أعمى وإنما يصبح قادراً على فتح عينيه على تراث الأديان الأخرى. وهذه المادة الأساسية موجودة في معظم جامعات الغرب حيث تجد الأساتذة الكبار يشرحون لك الأصل المشترك لأديان التوحيد الثلاثة، وكذلك الفروقات السطحية أو الجوهرية الكائنة بينها.

إن عظمة أرنالديز تعود إلى هذا المنظور المقارن الذي اتبعه على مدار تاريخه الطويل. فلم يكن يكتفي بدراسة تراثه المسيحي الذي ولد فيه وتربى عليه وإنما راح ينفتح على تراث الإسلام والمسلمين بكل شجاعة وأريحية.

وقد نتج عن ذلك كتاب آخر له تحت عنوان: ثلاث رسائل لإله واحد. وكان يقصد بذلك أن المسلمين والمسيحيين واليهود يعبدون نفس الإله الواحد، إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب والنبيين. وبالتالي فعلى الرغم من اختلافاتهم الطقوسية أو الشعائرية، وعلى الرغم من العداوات التاريخية التي نشبت بينهم على مدار القرون، فإنه لا ينبغي أن ننسى القواسم المشتركة أو العقائد المشتركة التي تجمع بينهم.

ويرى المستشرق الفرنسي الكبير أن التذكير بهذه الحقيقة البديهية ضروري في هذه الظروف العصيبة التي نعيشها اليوم. فالتيارات الأصولية المتعصبة داخل الأديان الثلاثة تلعب على وتر الاختلافات الراديكالية والعصبيات الطائفية البغيضة إلى درجة أننا ننسى النقاط المشتركة ونكاد نعتقد أن الحرب بين الأديان شيء لا مفر منه.

ولكن أرنالديز يقول لنا العكس، ففي رأيه أنه توجد نقاط مشتركة أساسية بين هذه الأديان الثلاثة وبالأخص بين التيارات الصوفية والروحية الكبرى فيها. وفي رأيه أنه توجد نزعة إنسانية دينية داخل الإسلام والمسيحية واليهودية، ولكن المتعصبين لا يرونها أو قل لا يفهمونها.

وبالتالي ينبغي أن نفرق بين التصور الضيق والمتعصب للدين، وبين التصور الروحاني والإنساني المنفتح. فابن عربي مثلاً كان منفتحاً على جميع الأديان من خلال الإسلام، وكان يحمل تصوراً رائعاً عن الدين. وهو تصور انقرض لاحقاً للأسف الشديد بسبب الدخول في عصور الانحطاط وموت العقل والفلسفة في المغرب والمشرق على حد سواء.

وبالتالي فهناك نزعة إنسانية دينية بقدر ما هناك نزعة إنسانية علمانية تنويرية حديثة. وليس صحيحاً القول إن الأديان تؤدي إلى التعصب والانغلاق بالضرورة. فنحن إذا ما فهمنا الدين جيداً، أي في جوهره الروحاني العميق كما فعل كبار متصوفة المسلمين، لم يعد هناك أي مجال للتعصب أو كره الآخرين.

لا أستطيع أن أتعرض لكل كتابات روجيه أرنالديز في هذه المقالة المختصرة بطبيعتها. ولكن لا يمكن أن أنسى المؤلفات المهمة التي خص بها تراثنا العربي الإسلامي وأدت إلى إلقاء أضواء ساطعة عليه.

يكفي أن نذكر أطروحته لدكتوراه الدولة عن ابن حزم والتي أهداها إلى أستاذه المشرف، أو أحد أساتذته المشرفين، الدكتور طه حسين. وقد صدرت عام 1956، أي قبل خمسين سنة بالضبط. ومعلوم أن أرنالديز أقام مطولاً في القاهرة في الأربعينات من القرن الماضي وأصبح فيما بعد عضواً في مجمع اللغة العربية في القاهرة.

وكان ذلك قبل أن يعود إلى فرنسا ويصبح أستاذاً في السوربون بل ويرتفع إلى أعلى المراتب العلمية عندما انتخبوه كعضو في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية. وهي الأكاديمية التي تضم كبريات الشخصيات الفرنسية والأجنبية والتي تقع في نفس مبنى الأكاديمية الفرنسية على نهر السين.

وكتابه عن ابن حزم أصبح مرجعاً كلاسيكياً الآن بالنسبة لطلبة الدراسات العربية والإسلامية في فرنسا وخارجها. ولا يمكن أن ننسى كتابه عن جوانب من الفكر الإسلامي (1987) حيث يدرس الفكر الديني لدى كبار فلاسفة المسلمين كابن عربي، والفارابي، وفخر الدين الرازي، وابن رشد، الخ،..

وكل من يريد أن يتعمق في دراسة العلاقة بين الدين والفلسفة ينبغي أن يقرأ هذا الكتاب وبقية كتب هذا العالم المستشرق الرصين. ومن الدراسات المقارنة يمكن أن نذكر كتابه الذي يحمل العنوان التالي: تأملات مسيحية حول التصوف الإسلامي (1989). كما ويمكن أن نذكر كتابه: على مفترق طرق الأديان التوحيدية الثلاثة. فكر مشترك في القرون الوسطى (1993). وأخيراً هل يمكن أن ننسى كتابه المخصص كلياً لابن رشد تحت عنوان: ابن رشد. عقلاني في أرض الإسلام؟

كل هذه الكتب وكثير غيرها يعطينا فكرة عن ضخامة مشروع أرنالديز ومدى أهميته في الوقت الحاضر. ولا أعرف فيما إذا كانت كتبه قد ترجمت إلى العربية ولكنها حتماً ستترجم يوماً ما وربما تعرضت للمناقشة الحرة بكل ما يتضمنه ذلك من رفض أو قبول.

كاتب سوري باريس