في يوم واحد، أول من أمس، صدرت عن الرئيس بوش تلميحات وتصريحات وإشارات؛ زادت من كثافة الضباب الذي يلف، ليس فقط سياسته العراقية الراهنة؛ بل أيضاً السياسة «الجديدة» الذي يزمع الكشف عن خطوطها في مطلع العام المقبل.
ما قاله في مؤتمره الصحافي كما في المقابلة معه، التي نشرتها جريدة واشنطن بوست في النهار نفسه؛ جاء حافلاً بالتذبذب، المتراوح بين الاعتراف الملتوي بالفشل في حربه على العراق وبين التلويح المكابر بعدم التراجع عن مقاربته الأصلية لهذه الحرب.
وبذلك ترك الباب مفتوحاً أمام عدة احتمالات: إما أنه يروم مواصلة التعامل مع الأزمة، من دون تغيير بالرغم من تلميحه إلى وجود حاجة للتغيير. وإما أنه يتلطى بالتشدد في خطابه كغطاء لتراجع قريب، في تعاطيه مع الورطة العراقية. أو أنه يعد لخطة مفخخة، يجري تمويهها، بمثل هذا التذبذب.
الأمر الذي لا جدال فيه هو أن واشنطن تعيش حالة ارتباك، بشأن العراق. فوق ساحتها تتلاطم تصورات وقراءات ومشاريع متضاربة، أو متقاطعة، الكفة الراجحة فيها تعود لمطلب البحث عن توجه مغاير للمعمول به منذ غزو العراق، تقرير بيكر ـ هاميلتون حظي باحتضان أميركي واسع. باستثناء بقايا المحافظين الجدد، الذين شنوا عليه حرباً شعواء.
الرئيس بوش، موقفه فاتر منه. وفي مقابلته ومؤتمره الصحافي زاده التباساً. كشف بأنه أمر وزير دفاعه الجديد، الذي قام بزيارة مفاجئة للعراق، بإعداد مشروع لزيادة عدد القوات الأميركية في العراق!
علماً بأن هيئة الأركان في البنتاغون حذرت، في تقريرها للرئيس، من مثل هذه الزيادة؛ لأنها قد توصل القدرة العسكرية على الانتشار إلى «نقطة حرجة». وفي ذات الوقت قال إن إدارته تقوم «بمراجعة الاستراتيجية المعتمدة»؛ الجديد في كلامه كان اعترافه ولأول مرة ـ بعد طول معاندة ـ بأن أميركا «لم تربح الحرب».
لكن من دون أن يتراجع عن مقولته القديمة، إن تلك الحرب «لا يزال بالإمكان الانتصار فيها»! ما عدا هذا الاعتراف، كل ماقاله يؤشر على أنه ليس في صدد قبول مقترحات تقرير لجنة بيكر. فهو رفض الدعوة إلى التفاوض والحوار مع إيران وسوريا، حول مستقبل العراق، والمعروف أن هذا البند هو أحد أركان التقرير.
إذن الرئيس بوش، في ذهنه تصور مختلف. وطالما أنه يستبعد الدبلوماسية فإن أي بديل آخر لا بد وأن يختزن شحنات من التعويل على الحلول الأمنية. وأخطرها تلك التي يتردد أنها ستكون بأيد محلية، عراقية، ولو كانت قوات أمنية رسمية. فهذه الأخيرة، بقدر ما هو مطلوب ومرغوب تسلمها مثل هذه المهام، في نهاية المطاف؛ بقدر ما هي مهمة محفوفة بالمخاطر الكبيرة، في غياب المصالحة والتسوية السياسية، الشاملة.
ولأن هنا يكمن بيت القصيد، فإن السؤال عما في جيب الرئيس بوش بالنسبة للعراق؛ يصبح، على وجاهته، ثانوياً بالمقارنة مع السؤال الأهم: ماذا في جعبة العراقيين للعراق؟
الرئيس بوش يسعى ويستنفر كل الطاقات المتاحة، ليجد المخرج الذي يناسبه ويوقف نزف واشنطن؛ المتعدد الجوانب، وقف نزف العراق مرهون بما يريده ويفعله أهله، لا أكثر ولا أقل، فالترياق لن يأتي إلى العراق إلا من العراق نفسه. وهذه معادلة باتت بديهية. لكن مع ذلك البوصلة لا تزال مفقودة في ساحته. بوش اعترف بأن ما يجري وجرى كان فاشلاً. بقي أن يعترف العراقيون بالحاجة إلى مقاربة جديدة تبحر بهم إلى شاطئ الخلاص.