ما نشر عن الانتخابات الإماراتية من تعليقات وتغطيات في الصحافة العربية والعالمية يدل على أن كثيرين ينظرون إلى هذه التجربة بوصفها خطوة فارقة على طريق التحديث السياسي في البلاد.
لكن النسبة الغالبة من أصحاب هذه الرؤية وقعت فريسة نمط واحد للتحديث، خطه النموذج الغربي، الذي يقوم على ضرورة التغيير الجذري للمجتمعات التقليدية، التي من الممكن أن تكون قبيلة أو قرية منكفئة على ذاتها ثقافيا، وغير مندمجة في المجتمع الواسع، ومكتفية اقتصاديا.
وينظر هؤلاء إلى الانتخابات باعتبارها أحد مظاهر التحديث، وإلى التحديث بوصفه انتقال الولاء من الحيز الضيق إلى نطاق أوسع مرتبط بالدولة الوطنية، وتحول التناغم مع الجماعات العينية المباشرة كالعائلة والعشيرة والقرية إلى تفاعل مع تجمعات أضخم وأكثر تجردا مثل الطبقة والأمة.
وهذا يعني الخروج من دائرة «المجتمع القرابي» القائم على «رابطة الدم»، إلى آفاق حديثة، تقوم فيها الجمعيات المنظمة والمؤسسات العصرية بلعب الدور نفسه الذي كانت تقوم به «العصبيات» في المجتمعات التقليدية. وهنا لا تعد «القرابة» هي الإطار المرجعي الحاسم لكل الممارسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إذ سيؤدي الانتقال الجغرافي وموجات الهجرة الداخلية باتجاه مواقع العمل الجديدة إلى ضعف الارتباط بالعصبيات القبلية والعشائرية.
لكن هؤلاء يتناسون أن القبيلة هي أكثر الأبنية الاجتماعية التقليدية رسوخا وأكثرها تجذرا في الوعي والوجود البشري، وأنه رغم ان ظهور الدولة القومية جعل القبيلة تتخلى عن وظيفتها السياسية والإدارية إلا انها في معظم المجتمعات لا تزال تحتفظ باستقلالها الاجتماعي وشرعيتها الموروثة، بل إن بعض الدول في افريقيا مثلا لا تعدو كونها إعادة هيكلة للقبيلة، مع بعض مظاهر تحديث في الجوانب المادية.
وللقبيلة وظائف أساسية تتمثل في أنها هي التي توفر رابطة من الوحدة بين أفرادها عن طريق الاعتقاد الذي يسود بينهم في انحدارهم من أصل مشترك، عبر صلة الدم أو بالمصاهرة أو التحالف أو حتى صلة الاستلحاق، وهي التي تزود هؤلاء الأفراد بألوان الحماية كافة، وتنظم عمليات الزواج والطلاق، وتفصل في النزاعات التي تنشب بينهم. وهناك وظيفة اقتصادية للقبيلة ترتبط بتنظيم عمليات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك.
لكن النظر إلى البنى الاجتماعية التقليدية في بلد مثل الإمارات مثلا على أنها «مجتمعات قرابية»، كما تذهب بعض الكتابات الغربية، يبدو تبسيطا مخلا بالواقع. فإذا كانت القبيلة قد مثلت قوام الحياة في الحاضرة والبادية العربية، وشكلت وحدة اجتماعية وسياسية واقتصادية أشبه بأمة صغيرة متضامنة تدار داخليا وتربطها بغيرها وشائج معينة.
فإنها لم تقف عند مرحلتها الأولية بل تكيفت بنجاح ملموس مع البيئات الجديدة، المتمثلة في المدنية، وراحت تنزع باستمرار إلى تعديل نفسها لتجاري الظروف المتغيرة، الأمر الذي جعلها تختلف عن القبائل الموجودة في افريقيا مثلا، إذ ان بعض هذه القبائل لا تزال تعيش حياة بدائية، فنشاطها الاقتصادي ينحصر في الصيد والتقاط الثمار من الغابات أو تربية الماشية.
ولا تعرف تقسيم العمل بالطريقة المعروفة في المجتمعات المتمدنة، في حين تقوم العلاقات الاجتماعية بين أفرادها على أساس الترابط الميكانيكي القائم على التشابه. أما تنظيم الأوضاع السياسية فيعتمد على تواجد سلطة مركزية ذات سيادة.
ولم يعرف المجتمع الإماراتي حالة الانفصال التام بين نمط الحياة البدوية بتقاليدها العريقة ونمط الحياة الحضرية، بل يمكننا القول إن هذا المجتمع المتطور باستمرار قد عرف نوعا من التمازج بين نمطي الحياة هذين، وألف ضربا من التشابه بينهما، بحيث أصبحت القبيلة الواحدة حاضرة وبادية، وكثيرا ما تحيا حياتين، فيستقر بعضها في المدن ويستقر الآخر في الصحراء.
وقد ذهب الباحث الأميركي فرانسيس فوكوياما إلى ما هو أبعد من هذا حين أكد أن بعض الظواهر التي يتعامل معها كثيرون على أنها تقليدية؛ ضرورية لتمكين المؤسسات الاقتصادية والسياسية الحديثة من العمل بطريقة صحيحة.
كما أن العائلة، تبدو في نظره، هي أكثر الأشكال العديدة لرأس المال الاجتماعي بداهة وطبيعية، إذ انها هي التي تمنح الأفراد الثقة بالآخرين، وتمكنهم من إنشاء المؤسسات الاقتصادية كبيرة الحجم، الأمر الذي يجعل غالبية الأعمال التجارية في الماضي والحاضر أعمالا عائلية.
ويضرب فوكوياما مثالا على ذلك بأن العائلات الممتدة كانت أساس المشروعات النشطة كبيرة الحجم في جنوب الصين ووسط إيطاليا. ويخرج فوكوياما من تحليله لظروف التنمية الاقتصادية في العديد من المجتمعات التقليدية بنتيجة مفادها أن الترابط الاجتماعي التلقائي له بصمة واضحة في الحياة الاقتصادية، إذ انه يؤثر في البنية الكلية للاقتصادات الوطنية، وفي التوزيع القطاعي للصناعات وفي الدور الذي تشعر الدولة برغبة في أدائه، وفي الأصول اليومية التي يتعامل العمال في ظلها مع المديرين، وفيما بينهم أيضا.
إن الانتخابات الإماراتية لن تكون بداية لتفكيك البنى التقليدية للمجتمع، فهذا يشكل خطرا جسيما في بلد تتعرض هويته العربية لتحديات كبيرة، ومن ثم جاء الحرص على التدرج في العملية الانتخابية، وعلى أن تتم بطريقة تزاوج بين السمات الإيجابية لحياة القبيلة من تقدير رأي الوجهاء وذوي الحكمة وبين متطلبات العصر التي تفرض ضرورة دخول الإمارات هذا المعترك، الذي يرفع من حجم إسهام المواطنين في القرار.
ومع حتمية وجود خطوات أخرى تالية توسع من حجم المشاركة الشعبية، وتقضي على أي عوار ناجم عن «التعصب القبلي الجامد» فإنه من الضروري أن يتم الحرص على عدم الإتيان على الموروث تماما، فالقديم لا يموت كله، وكثير منه يحافظ على خصوصية الدولة في مواجهة تجبر وتوحش العولمة.