أثار الكتاب الذي نشره الرئيس الأميركي السابق، جيمي كارتر، بعنوان «فلسطين...سلام لا تمييز عنصري» حفيظة العديد من الجهات والأوساط الفكرية والثقافية الغربية والعالمية والعديد من الاستنكارات والانتقادات اللاذعة. وقد جاء البعض منها على لسان مسؤولين كبار في دول كبرى في العالم كوزير الخارجية الفرنسي والمستشارة الألمانية ورئيس الوزراء البريطاني وشخصيات كبيرة في أميركا.
هذه ليست هي المرة الأولى ولن تكون الأخيرة عندما تُنتقد الصهيونية وأعمال القمع والعنف والتمييز العنصري. فكلما يُكتب شيء يكشف الحقيقة ويحاول مواجهة التيار الجارف الذي يتلاعب بالعقول ويزيّف الحقائق ويضلل الواقع يواجه بموجة من الاستنكار والنقد وحملات القمع والردع والنقد وفي بعض الأحيان المحاكمات.
وهذا يعني بكل بساطة أن هناك إرهابا فكريا منظما يسيطر على الأوساط الفكرية والثقافية الغربية العالمية. والغريب في الأمر أن العديد من المثقفين والمبدعين في العواصم العالمية يشنون حروبا نفسية خطيرة وجسيمة ضد كل من يخرج عن «النظام القائم» مَُّّفقٌيَّوٍمَُّ ، النظام الذي أقامة وأصطنعه و«فبركه» منظرو التفوق الغربي والسيطرة الأنجلوساكسونية على العالم. وأصبح الموضوع للعديد منهم وكأنه أمر واقع يجب الإيمان به وتبنيه والعيش في ظلاله.
وبذلك أصبح من يتكلم عن فلسطين والأراضي المسلوبة منها وحق اللاجئين في العودة إلى أراضيهم كأنه كفر بالأنبياء والرسل وكأنه شكك في قانون الجاذبية الأرضية. يحدث هذا في عصر يتكلم فيه الكثيرون عن حرية الفكر وحرية التعبير وحرية الصحافة وحرية الرأي وعن الموضوعية والقيم الإنسانية والأخلاقية العالمية.
لكن الواقع يقول عكس ذلك تماما حيث هيمنة الأساطير والأكاذيب والصور النمطية على الرأي العام الدولي وعلى عقول الناس في جميع أنحاء المعمورة. فالمنتجات الثقافية والإعلامية العالمية -الأنجلوساكسونية والغربية- أصبحت تنّظر وتشّرع وتقنن لوضع مليء بالمتناقضات والظلم والتعسف والابتزاز والتمييز والعنصرية.
فالعاصفة التي شنها اليهود وغير اليهود ضد كتاب كارتر تشير إلى وجود آليات وميكانيزمات منظمة وقوية وفاعلة ومؤثرة للإرهاب الفكري في العالم. في كتابه «فلسطين...السلام وليس التمييز العنصري»، يتطرق كارتر ومن موقعه السابق كفاعل في السياسة الدولية وكمهندس لاتفاقية «كامب ديفيد»، لممارسات الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين على أساس سياسة التمييز العنصري بين المواطنين الفلسطينيين والمستوطنين اليهود بناءا على اعتبارات عنصرية صرفة.
وحسب كارتر فإن الفلسطينيين يتعرضون لقمع وبطش وظلم واستغلال أكثر بكثير مما كان يتعرض له السود في جنوب إفريقيا خلال فترة الأبرتايد. والغريب في الأمر أن كتاب كارتر لم يأت بجديد سوى أنه قدم شهادة موّثقة من قبل رئيس دولة سابق عن ما عاينه ولاحظه بشأن الكيان الصهيوني وممارسته العنصرية في الأراضي المحتلة. وقضية أن إسرائيل هي دولة عنصرية قضية بثت فيها الأمم المتحدة وأصدرت قرارا يفيد بذلك منذ زمان.
تعتبر حملات النقد والاستنكار التي شُنت ضد كارتر وكتابه حلقة أخرى من حلقات الإرهاب الفكري الذي يمارسه الساسة والمنظرون والمدافعون عن الحركة الصهيونية في العالم. هذه الحملات المنظمة جعلت منذ عقود أوروبا والولايات المتحدة ترضخ وتنحني لابتزاز أقلية صغيرة جدا من اليهود لا يتعدى عددها 12 مليون نسمة.
هذا الإرهاب الفكري جعل الكثير من الكتاب والنقاد والباحثين والسياسيين يفضلون السكوت والكتمان على قول الحقيقة والكلام خوفا من الاضطهاد والتهميش والإقصاء والمحاكمة والسجن. وهذا ما حدث بالفعل للمفكر الفرنسي رجاء جارودي عندما كتب كتابه «الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل» حيث حاكمه القضاء الفرنسي بموجب قانون «فابيوس-غيسو»، الذي يجرم كل من يشكك أو يتساءل عن حقيقة ضحايا الهولوكوست.
ديفيد إيرفينغ المؤرخ البريطاني تعرض لنفس المصير عندما شكك في المحرقة وفي المبالغة الكبيرة جدا في أرقام ضحايا المحرقة. والنتيجة كانت الحكم على إيرفنغ بالسجن ثلاث سنوات من قبل محكمة نمساوية. وهذا ما جعل كارتر يقول: «إن قيام أعضاء في الكونغرس بالدفاع عن سياسة متوازنة بين إسرائيل وفلسطين أو مطالبة إسرائيل بالالتزام بالقرارات الدولية والكلام عن حقوق الإنسان للفلسطينيين يعتبر بمثابة انتحار سياسي» .
وهذا ما حدث فعلا لبول فيندلي، العضو في الكونغرس الأميركي الذي فقد مقعده في الكونغرس بسبب كتابه «يجرأون عن الكلام»، الذي انتقد فيه إسرائيل ودور اللوبي الصهيوني في التأثير على السياسة الخارجية الأميركية. «أندري يونغ» من جهته فقد منصبه كممثل لأميركا في منظمة الأمم المتحدة بمجرد تعاطفه مع القضية الفلسطينية ومعانقته للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
فالمؤتمر الذي نظمته وزارة الخارجية الإيرانية مؤخرا عن المحرقة أو الهولوكوست أحدث بركانا من الانتقادات والاحتجاجات لا مثيل له في العواصم الغربية. فمجرد دراسة المحرقة ومعالجتها علميا وتاريخيا وأيديولوجيا يعتبر معاداة للسامية وللقيم الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان.
والغريب في الأمر أن الإنسانية عرفت إبادات ومجازر جماعية كثيرة جدا عبر التاريخ لكن الضمير الإنساني لم يولها أي اهتمام والدليل على ذلك أن هناك أكثر من 20 مليون روسي قضوا في الحرب العالمية الثانية، لكن المحرقة هي الحدث الذي يعرفه العام والخاص في الزوايا الأربع من المعمورة ولا أحد لديه الحق في الاستفسار أو التشكيك أو حتى التفكير في طرح الأسئلة عن العدد الحقيقي لضحايا المحرقة، أو أسبابها وتداعياتها وانعكاساتها.
يقول كارتر في مطلع كتابه «إن الهدف الأساسي لكتابي هو تقديم تلك الوقائع والأحداث حول الشرق الأوسط المجهولة تماما للرأي العام الأميركي من أجل الإسراع بالنقاش والحوار ومن أجل بعث محادثات السلام التي من شأنها أن تؤدي إلى السلام لإسرائيل وجيرانها. أمل آخر من وراء الكتاب يتمثل في أن اليهود والأميركيين الذين يشاطروني هذا الهدف يتحمسون للتعبير عن آرائهم أمام الملأ وعلنا، وأنا مستعد للمساعدة في تحقيق هذا الجهد».
الغريب في الأمر أن رئيس دولة سابق بحجم جيمي كارتر وفي أقوى دولة في العالم يعرض خدماته بالمجان- في حين أن نظراءه يقدمون محاضرات بمئات الآلاف من الدولارات وقد تصل بعض الأحيان إلى الملايين - على الجامعات ذات الكثافة الطلابية اليهودية العالية للإجابة عن الأسئلة والاستفسارات، وكان رد الأوساط الأكاديمية والعلمية على الرئيس السابق بالرفض، إن لم نقل الإهانة.
يحدث هذا في أميركا أم الحريات الفردية والديمقراطية والرأي والرأي الآخر. كارتر يتعرض للإرهاب الفكري في بلده وفي البلد الذي ترأسه، فما بالك بباقي المفكرين والكتاب والنقاد والمعارضين في جميع أنحاء المعمورة الذين لا حول ولا قوة لهم.
ردود الأفعال التي أثارها كتاب كارتر ومؤتمر المحرقة في طهران تشير إلى مؤشرات خطيرة جدا توحي بأن الحقيقة أصبحت ممنوعة وغير مرغوب فيها وأن من يملك المال والنفوذ والوسيلة يقدم ما يشاء ويروج لما يشاء ك«حقيقة» مفتعلة ومفبركة ومصطنعة وفي نفس الوقت يخفي ويقصي ويلغي ويحذف كل ما يراه هو عكس ذلك، أي كل ما من شأنه أن يتعارض مع أهدافه ومصالحه، وكل ما يكشف عن أساطيره وأكاذيبه وخرافاته.
كلية الاتصال جامعة الشارقة