لو كان إعمال العقل عادة عربية، تُمارس في السياسة كما في الثقافة كما في الاقتصاد، لما وصل الوضع الفلسطيني الى هذا الحد. ففلسطين القضية هي طليعة قضايا الأمة وفلسطين الجغرافيا هي قلب هذه الأمة.

«إن أعمال العقل» في هذا الذي يحصل في فلسطين المحتلة بين الأشقاء، سوف يكشف لأولي الحلّ والعقد هناك من هذا التيار أو ذاك، أن العدو المحتل (إسم فاعل) هو الطرف الوحيد المستفيد من هذه المظاهر التي تدمينا ولا تحلّ القضية الأساسية للشعب الفلسطيني، بل إن» إعمال العقل»، كان سيجعل الأطراف الفسطينية التي تواجهت في ما بينها بالسّلاح، تقف على حقائق مذهلة، منها أن كل دوائر البرمجة ومراكز التخطيط الصهيوني سواء منها في المنطقة أو تلك التي تتخذ لها مكاتب وأسماء نظمات في دول غربية مثل الولايات المتحدة الأمريكية، تعمل على أن توصل الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة الى مرحلة أو مشهد من الذي تابعناه ونتابعه بذهول بعد عودة رئيس الحكومة المنتخب من (وعبر) القاهرة الى غزة، وبعد أن أعلن رئيس السلطة الفلسطينية تقديم موعدي الانتخابات «البرلمانية» و «الرئاسية».

وبالرجوع الى مسألة «إعمال العقل» في هذه المحطات، يجدر أن نشير إلى أن المظاهر التي شهدناها في غزّة المحتلّة حين رفع الأخوة سلاح بعضهم بعضا، تجاه بعضهم بعضا، ما كنّا لنراها من قبل، وقد كانت المرجعية الوطنية وديدنها الميثاق الوطني الذي يحرّم التخوين بين الفصائل الفلسطينية ويحرّم توجيه السلاح الفلسطيني نحو الفلسطيني، هي الفيصل.

مرجعية ترتكز على تحرير فلسطين من المحتلين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.ما يقع في فلسطين اليوم لطالما تمنّى وقوعه أشرس المجرمين الصهاينة من 1936 الى اليوم.

لو كان لإعمال العقل مكان في الفعل السياسي العربي، لفهم العرب وفي طليعتهم المرابطون في فلسطين، أن العدو ذا الطابع «العنقودي»، هو المستفيد من الأوضاع الحالية في فلسطين، لأن في هذا الصراع الداخلي الذي يحصل، وهو بالمناسبة صراع لا مبرّر له لأنه يدخل في التفاصيل حدّ عدم التفريق بين الأجندة الوطنية وأجندة العدوّ، هو صراع يمنح العدوّ الصهيوني فسحة من الوقت هو في أمسّ الحاجة إليها بعد أن أرّقته المقاومتان اللبنانية والفلسطينية.

هذا ما لم يتفطّن إليه الأشقّاء الفلسطينيون، طوال هذه المحنة، كما أن إعمال العقل في الفعل السياسي العربي، لو أنه حدث، فإنه كان سيجعل الفلسطينيين والعرب، يقفون على حقائق أوسع وأشمل من تلك التي تنحصر في الوضع الفلسطيني أو اللبناني، كان الجميع سيتفطنون أن هذا «التلهّي» الدامي بين الأشقاء، سيجعل العدو الأكبر الذي يحتلّ العراق ويشرّع احتلال فلسطين ولبنان، ويقبض على الأمم المتحدة بيد من حديد، ويمنع الوطن العربي من الماء إلى الماء، من أن يحفل بعلمائه وباقتصاد غير تابع، سيجعله يأخذ بدوره فسحة من الرّاحة نظرا لما أنزلته به المقاومة العراقية، وما تكبّدته قواته العسكرية في العراق من خسائر على أيدي قوى المقاومة، والممانعة، وما حلّ باستراتيجيته من فشل في أمريكا اللاتينية.

ما يحصل في فلسطين ليس معزولا عمّا يحصل في لبنان أو في العراق أو في السودان وفي كل المناطق العربية المستهدفة. وهذه حقائق تقولها تقارير الأعداء وقوى الاحتلال عنا، في حين لم يتوصل العقل السياسي العربي الى هذه الحقائق بنفسه، لأن لا إعمال للعقل في الفعل السياسي العربي.

للأسف، لم يعد المشهد السياسي العربي كما كان عليه في الماضي، أي منذ ثلاثة عقود مثلا، حين كان يحضر المثقّف ما كان يغيب عن السياسي، فيسارع المعنيون عبر الضغط والممانعة الى رأب الصدع وتحديد الهدف، في ذلك الزمان، ولما كان للفكر مكان في المشهد العالمي ـ الدّولي، كان أصحاب قضايا التحرّر يتصدّرون الطّليعة في فهم مجريات الأموروكشف المؤامرات التي لم تهدأ في مناطق مثل العربية، والأمريكية اللاتينية والجنوب شرق آسيوية، أما اليوم، فيصحّ القول ان العرب الذين بقوا وحدهم محلّ تساؤلات عدّة، قد حفظوا شيئا وغابت عنهم أشياء، وهو الأمر الحاصل، بلا مواربة، في فلسطين اليوم.