كل الذين خرجوا من القاع إلى الحكم بوسائلهم العسكرية، انتقموا من رأس المال الخاص وأقاموا المشانق للمعارضين والخصوم، وكل من خرج من عباءة التنظيم أيّا كان اتجاهه، ظل انتماؤه خارج الوطن، وقد رأينا السحل، والشنق والتهجير، وباسم العدالة ثم التأميم، وإذا أردت أن تكون ثورياً ديموقراطياً مجّد اليسار والعن أمريكا والغرب، أما إذا نويت أن تبني معالم شخصية كبيرة، فاتجه إلى شراء الإعلام وامنح هداياك حتى لا تسمّى رشوة للكُتّاب والمفكرين، وأصحاب الحناجر عالية الموجات الصوتية.
جرّب العرب سيف الدولة، والطربوش التركي، و"برنيطة" العسكري، وربطة عنق الأفندي الحزبي، ثم أخيراً العمائم، وسقطوا جميعاً في منحنا فرصة حضارية أو سلامة ذاتية نؤمن بها الإنسان، ونعيد له توازنه الذاتي، حتى ننتمي إلى المجتمعات المتفوقة بهويتها وحضارتها ومنجزها العلمي.
المشهد العربي مرعب ومخيف، اعتصامات بشوارع بيروت، عطلوا الحركة ومسيرة الاقتصاد، وطردوا المستثمر، والسائح، لتتضاعف الخسائر والديون، والسبب أن كُلا يدعي بقانونية تصرفه، وضرورة أن تنفذ مطالبه، وكل من يجري عليهم الخلافات من الأشخاص، لا يتجاوزون عدد أصابع ثلاثة أشخاص من الفرقاء، ليضيع البلد في عواصف المزادات السياسية.
بالعراق اتضح أن الوحشية ليست مستوردة، وإنما كامنة بالنفوس، فالكل يرقص في محفل الشيطان، قتلوا العمال الذين يبحثون عن ثمن قرص عيش في أغنى بلد عربي، هدموا المساجد والحسينيات، والمقامات، نهبت الآثار، وذبح شهداء الواجب في الهلال الأحمر، ونهبت المصارف، والبنوك، وعثر على آلاف الضحايا مقطوعة الرؤوس، وحتى منافذ البلد العربي صارت تكتب استمارات التصدير والاستيراد بلغة أخرى لا تنتمي إليه.
في السودان والصومال يتحارب الفقراء باسم القبيلة والدين، والعرق، وعنصر التقسيم والتدخل الخارجي ينذران بحدوث كوارث شبيهة بما حدث بالعراق وأفغانستان.
أما على أرض الشهداء والمناضلين في فلسطين فالبنادق تتجه إلى صدور أصحاب القضية، والخلاف هنا ليس بين شيعة، وسنّة، أو قومية وأخرى، وإنما بين مَن يدّعون الشرعية، سواء كانوا أعضاء ينتمون لفتح، أو لحماس، ومع احترامنا لما جرى من انتخابات نادرة الحدوث في المحيط العربي كله، إلا أن المذابح التي أعطت إسرائيل السيرة الحسنة، وأنقذتها من كل أفعالها، أثبتت أن المشكلة ليست خلافاً سياسياً فقط، وإنما خلاف كراسي ونفوذ، ونقض مواثيق، والنتيجة حصار أدى إلى مذبحة، ربما يصبح حريقها عريضاً وطويلاً، وجوعاً يدعو إلى الجريمة.
هذه المناظر تؤسس لحالات خارج تصورات أي إنسان عاقل، ولذلك يجوز أن نقول إننا نعيش رحلة النعوش في وداع دموي للحياة والسلامة النفسية، لأن من يولد في رحم الفوضى القاتلة، سيبقى معتوهاً ومشوش الفكر، وفاقد الأهلية الإنسانية بسبب الشكوك وعدم الثقة، وهي أمراض ستلاحقنا بسبب لعنة الساسة إلى آجال بعيدة.