يبدو المشهد العربي الراهن مشحوناً بإرث ثقيل، من غضب وإحباط وسخط واحتقان جراء الضغوط والتدخلات الأميركية في اخص شؤونه الحياتية والسياسية. تارة تحت شعارات براقة تتشدق بنشر الديمقراطية، وتارة أخرى تبشر بتحديث المجتمع العربي، وتحضيره للحاق بقاطرة الشرق الأوسط الجديد.

المشهد العربي الراهن يجسد أبشع صورة لمحصلة «القهر والهيمنة بديمقراطية البوارج وحاملات الطائرات». وفى جانب منه يمثل احد تجليات «الانحياز المزمن لإسرائيل. بطريقة تجعل كل جهد أو انجاز عربي مجرد محاولة « إرهابية» أو سعي لنشر التخلف وثقافة العنف وتحريض على كراهية الغرب المتحضر، أما عندما يتعلق الأمر بجرائم إسرائيل ومجرمي حربها وإرهابييها الأوائل، ينقلب كل جرم إلى عمل من أعمال الخير وإسهام في الحضارة الغربية!

وبات من المسلمات وركائز التفكير والسلوك السياسي الأميركي ـ لا فرق بين جمهوريين وديمقراطيين- أن كل ما يصدر عن إسرائيل أو يتصل بمصالحها وأساطيرها غير قابل للنقد أو المس، وكل من يجرؤ على الكلام ضد الصهيونية وعنصريتها، يصبح مجرما يلاحق ويحاكم ويسجن، على الطريقة التي عومل بها المؤرخ الايرلندي ديفيد ايرفينج، المسجون حاليا في النمسا جزاء على جهده وبحثه التاريخي المنصف والجاد لفضح أسطورة «الهولوكست».

في الشأن الديمقراطي ومبادرة الإدارة الأميركية الحالية لنشر الديمقراطية، تتكاثر الألغاز والأحاجي، وتصبح طلاسم تستعصي على الفهم، وتتطلب قاموسا خاصا لمعرفة المعاني المغايرة للمصطلح في عرف فلاسفة اللوبي الصهيوني الأميركي وكهنة المحافظين الجدد.

ففي العراق، تم تسويق مشروع الاحتلال على انه تمكين للشعب من ممارسة حقه الديمقراطي، وأصبح العائدون من المنافي على ظهور دبابات الاحتلال مناضلين من اجل الحرية.

وعندما حانت ساعة الاستحقاق الديمقراطي الحقيقي، عبر صناديق الانتخاب، مورست كل صور القهر والتزوير لمنع العرب السنة من الحصول على حصتهم الفعلية في البرلمان، ووثقت جهات كثيرة محايدة أفظع عمليات تزوير الانتخابات في محافظات وسط وغرب العراق.

ويتصل بهذا السلوك المدمر لكل معاني الديمقراطية، كل ممارسات الحاكم الاميركي الأول للعراق بول بريمر، وأبرزها إلغاء الجيش وإنشاء هيئة لتصفية الكوادر العلمية وعلماء الذرة والباحثين والعلماء، أعضاء وقيادات حزب البعث، بطريقة تتضاءل إلى جوارها جرائم النازية.

في لبنان، لم يهتز لوزيرة الخارجية الأميركية السيدة كوندوليزا رايس جفن وهى تبشر بمخاض الشرق الأوسط الجديد، وسط محرقة القصف والتدمير الإسرائيلي للبنان أرضا وشعبا. ولم تذرف دمعة واحدة على الأطفال الأبرياء الذين أزهقت القنابل العنقودية الاميركية الصنع أرواحهم وهم نيام.

وعندما خاب رهان رايس ومعها ايهود اولمرت تحت ضراوة وبطولة المقاومة اللبنانية، التي أذاقت جيش الاحتلال مرارة الهزيمة وذل الانكسار، أصبح التمسك بتحرير الجنديين الإسرائيليين مطلبا مفروضا بالقرار 1701، في حين لم يجرؤ احد على المطالبة بتحرير وزراء ونواب حركة حماس الذين اختطفهم جنود وعناصر قوة إسرائيلية خاصة.

في فلسطين، وقعت الطامة الأميركية الكبرى، التي فضحت هراء ونفاق«الديمقراطية الزائفة» التي ترفض الاعتراف بقدسية الاختيار الشعبي وبنتائج صناديق الاقتراع، بعد أن فشلت محاولات حرمان فصيل سياسي له أغلبية واضحة من المشاركة في العملية السياسية.

في هذا الإطار، بدأت المحاولات بل المؤامرات الأميركية لإلغاء نتائج فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية مطلع العام الجاري، والقفز عليه وكأنه لم يكن. ولم تتوقف حتى بلغت هدفها بما يشتعل حاليا من نيران الفتنة والاحتراب الداخلي بين حماس وفتح.

وظهر الموقف الاميركي من الاختيار الديمقراطي الفلسطيني، وكأنه تمثيل واقعي لأسطورة قاطع الطريق الاوروبي «بروست» الذي كان يمتلك سريرا، يجبر ضحاياه على النوم عليه، ويقطع أرجل كل من لا تتواءم مقاييس جسده وطول رجليه مع طول السرير!.

وبروست الاوروبي ابن عصور الظلام الوسيطة، وزمن الاضطهاد الديني ومحاكم التفتيش، قد يخجل من موقف بروست الاميركي ابن عصر الحداثة والعولمة والهيمنة الإمبراطورية، وثقافة نشر الديمقراطية الملتبسة، ذات الوجوه المخادعة.

الأدهى، أن ضجيج من منوا أنفسهم ببزوغ فجر الديمقراطية الأميركية وتلحفوا برداء«الليبراليين العرب» لم يقطعوا صمتهم المريب، مع تفجر فضائح «بروست الاميركي». وهم الذين صدعوا الذهن العربي بخطب نارية عن أفول عصر الاستبداد المحلي، ولم ينتبهوا إلى أنهم مجرد دمى لعصر الهيمنة الإمبراطورية.