شاركت نخبة من المثقفين العرب في ندوة عقدتها مجلة العربي حول دور المجلات الثقافية في عملية الإصلاح. ولا أظن أن هدف ندوة مجلة العربي التي تصدر في الكويت منذ العام 1958 كان إثبات ما قامت به المجلات والدوريات الثقافية في نشر الوعي بمختلف أشكاله بين الجمهور العربي العريض منذ أن عرفت الأرض العربية المطبوعات والدوريات الثقافية قبل أكثر من قرن ونصف، إذ ان ذلك الدور ليس بحاجة إلى إثبات. فالمجلات الثقافية، سواء أكانت أسبوعية أم شهرية أم فصلية كان لها الدور البارز في النهضة العربية كنوع جديد من المطبوعات التي أخذت تعرفها الساحة العربية بعد أن كانت القراءة قاصرة على الكتب، والكتب الصفراء في الغالب الأعم.

ولم يكن هذا حال المجلات الثقافية بل ان الصحف التي اهتمت بنقل الأخبار والشؤون المتعلقة بالسياسية قد انجرت إلى تخصيص صفحات للشأن الثقافي ومناقشة القضايا المختلفة اللصيقة بمسألة نهضة المجتمع العربي وتطوره. «ولا يخلو من دلالة» ـ كما يقول الكاتب صلاح عيسى في ورقته المقدمة للندوة ـ «ان أول صحيفة عربية وهي الوقائع المصرية، التي أصدرها محمد علي باشا في العام 1828 كانت تنقسم إلى قسمين: أحدهما لنشر قرارات الوالي وأخبار الدولة، والثاني القسم الأدبي الذي كان ينشر فصولاً من كتب التراث، ثم تطور بعد ذلك لينشر مقالات في الفكر السياسي والاجتماعي، خاصة بعد أن أسندت رئاسة تحريرها إلى عدد من أعلام النهضة العربية، كان بينهم رفاعة الطهطاوي وأحمد فارس الشدياق وصالح مجدي والشيخ محمد عبده».

ويذهب الكاتب إلى اعتبار أن «روضة المدارس المصرية» التي أصدرها رفاعة الطهطاوي بين عامي 1870 و1878 هي أو دورية ثقافية عربية وأن أقدم هذه الدوريات التي لا تزال تواصل الصدور حتى الآن هي مجلة الهلال التي وصل عمرها هذا العام (2006 ) إلى 114 سنة.

بيد أن المهاجر بالذات باريس قد احتضنت مجموعة من الصحف والمجلات الثقافية في وقت أبكر من ذلك التاريخ، كما يدعي الدكتور جابر عصفور في بحث آخر. إذ صدر بها «مجلة برجيس باريس» في العام 1858 لصاحبها رشيد الدحداح، وبها أيضاً صدرت مطبوعات مهمة في تواريخ لاحقة من قبيل «العروة الوثقى» لجمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، و«كشف النقاب» للأمير شكيب أرسلان وغيرها.

ويرى العصفور أن المجلات الثقافية إنما هي «ظاهرة مدنية» بمعنى أنها نشأت في أحضان المدن العربية. والغريب أن العديد من الباحثين قد أشاروا إلى وجود المجلات في العديد من المدن في القطر الواحد في أوائل القرن الماضي، حتى انه تكاد لا تخلو مدينة من مدن الشام على سبيل المثال من واحدة منها!! وهي ظاهرة لا نكاد نلحظها بعد أكثر من قرن في البلاد العربية!!

أما ثاني تلك الخصائص التي يشير إليها العصفور فهي ان المجلات الثقافية هي «نبت الأفندية» بمعنى أنها ظهرت أول ما ظهرت على أيدي دعاة النهضة، الذين كانوا حداثيين في توجهاتهم و«أفندية» في مظهرهم. أما آخر تلك الخصائص المرتبطة بالمجلات الثقافية فهي أنها كانت تعبر عن صحوة وطنية أو قومية.

ويرصد العصفور أربعة انجازات لتلك المجلات الثقافية منذ بواكيرها الأولى، إذ فتحت أفق الحوار الثقافي مع العالم المتقدم، وقدمت أفكاره وفنونه وتياراته، كما فعلت الهلال والمقتطف والجامعة وغيرها. وهي روجت للفكر العلمي وأهم إنجازاته وكان قصب السبق في ذلك لمجلة المقتطف، ومجلات أخرى كمجلة الشفاء التي أصدرها شبلي الشميل المتحمس لنظرية داروين في التطور بين 1886 و1891.

وأيضاً الدعوة إلى إنشاء الجامعة الحديثة، وهي الدعوة التي شهدت بواكيرها مجلة الهلال ومجلة المنار التي دعا فيها محمد عبده إلى إنشاء جامعة عصرية في مقابل جامعة الأزهر، التي كان يشكو من جمود مشايخها. وقد توجت دعوته في إنشاء الجامعة الأهلية بعد وفاته.

وأخيراً وليس آخراً، ان هذه المجلات قد قامت بجهد جبار في عملية ترجمة إبداعات الأمم المتقدمة في مجال الأدب من رواية وقصة ومسرح وغيرها. ولم يفت منظمي الندوة استضافةُ باحثين من منطقتنا الخليجية، حيث انطلقت منها محاولات أولى نحو إنشاء مجلات ثقافية منذ بداية القرن الماضي. ويذهب الدكتور محسن بن حمود الكندي إلى أن صحيفة فتح البصائر التي صدرت في مسقط بتاريخ 2 يناير 1900 هي أول مطبوعة في المنطقة وهذا يناقض ما يذهب إليه المؤرخون من اعتبار مجلتي الكويت التي أصدرها الشيخ عبدالعزيز الرشيد في العام 1928 ومجلة صوت البحرين التي أسسها عبدالله الزائد في العام 1939 لهما قصب السبق.

وقد انقسمت الصحف والمجلات العمانية إلى تلك التي تصدر في الوطن الأم وإلى تلك التي كانت تصدر في منطقة زنجبار، التي كانت إلى العام 1963 تحت الحكم العماني. ولعل ما شجع ظهور الصحف والمجلات هناك إنشاء أول مطبعة في العام 1879 في عهد السلطان برغش بن سعيد (1870 ـ 1888). ومن أشهر تلك المجلات «صحيفة الفلق» التي أصدرتها الجمعية العربية في العام 1929، وكانت مجلة أسبوعية استمرت في الصدور إلى العام 1963.

وحظيت مجلة العرب لصاحبها حمد الجاسر، رحمه الله، بجائزة شأن بعض المجلات الأخرى، وقد تحدث الدكتور عبدالله العثيمين عن حياة العلامة الجاسر الذي كان عضواً في أكثر من مجمع من مجامع اللغة العربية، وعن مجلته العرب التي عنيت بالدراسات التاريخية والجغرافية لجزيرة العرب، والتي أسسها الجاسر في العام 1966 كما انه أسس دار اليمامة قبلها لتتحول فيما بعد إلى جريدة الرياض.

ومن طريف ما يذكره العثيمين عن أستاذه الجاسر انه كان حاد الذاكرة فهو لم يكن يتذكر الحوادث التي مرت به في صباه وريعان شبابه ـ كعادة الكبار ـ بل أيضاً تلك الحوادث القريبة في وقوعها. هذا فضلاً عن ولعه بالقراءة رغم ضعف بصره مما كان يستدعي في بعض الأحيان استخدام مكبرة!!

ولم يغب عن الحاضرين الإشارة إلى النشر الجديد، إلى النشر الإلكتروني أو«الأون لاين»، وهي ظاهرة ما زالت تتفاعل حيث أصبح لكل مطبوعة موقع على الإنترنت، ترى هل سيؤدي ذلك إلى اختفاء المطبوعات الورقية ومنها المجلات الثقافية؟؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام قريباً.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com