في ظل الأوضاع السياسية والأمنية الحالية في المشرق العربي، وخاصة في فلسطين والعراق ولبنان، تبدو أن الحاجة ماسة لتدخل عربي عالي المستوى متسلح بالإرادة السياسية والسيادية لاحتواء الأزمات الداخلية التي بدأت تهدد الوحدة الوطنية في دول المشرق العربي وإخراج المنطقة من المخاطر التي نبه إليها العديد من الساسة العرب والدوليين.
وهذه التحذيرات جاءت مؤخراً على لسان العديد من الأردن مروراً إلى فلسطين واليمن ووصولاً إلى قادة دول مجلس التعاون الخليجي أثناء الجلسة الافتتاحية لأعمال الدورة الـ 27 للمجلس الأعلى التي انعقدت في الرياض الأسبوع المنصرم عندما حذروا من مغبة انفجار المنطقة العربية في بيانهم الختامي.
ولا يخفى على أحد أن المنطقة العربية تمر بأزمة حقيقية شديدة الخطورة لا يستطيع أحد أن يتنبأ بنتائجها. كما لا يخفى على أحد أنه عندما يحذر القادة العرب من مغبة انفجار المنطقة العربية هذا يعني أنه هناك ضرورة ملحة لتحرك عربي جماعي من أجل توفير رؤية شاملة تعالج الأزمات باتجاه القضاء على أسبابها للحفاظ على أمن واستقرار المنطقة بأسرها.
وتتلخص التحذيرات التي أطلقها العديد من القادة العرب حول ثلاثة قضايا رئيسية وهي:
أولاً: على صعيد القضية الفلسطينية وهي القضية الجوهرية ولب الصراع العربي - الإسرائيلي ومركز التهديد الأساسي للأمن والاستقرار في المنطقة كما جاء في معظم التقارير الاستراتيجية بما فيها تقرير بيكر - هاملتون، يتضح أن الخلاف الفلسطيني - الفلسطيني أصبح هو الأخطر على هذه القضية بالرغم من استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والذي يغذي هذه الخلافات. وبالرغم من ذلك تقف الدول العربية على الحياد ويقف المجتمع الدولي موقف المتفرج إزاء استمرار مأساة الشعب الفلسطيني منذ حوالي ستين عاماً.
ثانياً: حول الأزمة العراقية يدرك القادة العرب أن العراق يمر بمرحلة من الظلام والضبابية باتجاه مستقبل ينذر بمزيد من الانحدار والتدهور والفرقة والصراع الطائفي والمذهبي والسياسي في ظل استمرار الاحتلال الأميركي الذي تحول بقاءه إلى «ضرورة» لتبديد المخاوف من انزلاق الشعب العراقي إلى حرب أهلية طاحنة تنتج في نهاية المطاف عراق مقسم سياسياً وطائفياً وعرقياً.
ثالثاً: أما حول الأزمة اللبنانية يدرك القادة العرب أن استمرار الأزمة اللبنانية الراهنة من شأنها إذا لم تعالج بشكل عملي ومقبول من قبل كافة الأطراف اللبنانية أن ينزلق لبنان نحو حرب أهلية ثانية تهدد من جديد وحدة الوطن اللبناني وتقوده نحو المجهول خاصة وأن هناك توجها لدى بعض الأطراف اللبنانية والدولية بتدويل الأزمة اللبنانية وما لهذا الأمر من تداعيات خطيرة على مستقبل لبنان.
إن هذا التشخيص السياسي والأمني لأوضاع المنطقة العربية من قبل العديد من القادة العرب والذي طالما صاحبه التعبير عن الخوف والقلق على مستقبل هذه المناطق العربية الثلاث الساخنة التي تؤثر على وتتأثر بها سلباً أو إيجاباً باقي الدول العربية لا بد من أن تصاحبه رؤية واضحة لما يجب عمله لوقف التدهور ومنع نشوب حروب أهلية وتقديم المساعدة الفورية لإعادة اللحمة الوطنية.
كما أن الخوف والقلق على هذه المناطق العربية يتضاعفان بشكل طبيعي بسبب وجود عوامل خارجية كالاحتلال في فلسطين والعراق واستمرار السياسات دولية يغلب عليها طابع الجمود والانعزالية وازدواجية المعايير، في الوقت الذي يبدي القادة العرب أيضاً استياءهم اتجاه مواقف الساسة الأساسيين في هذه المناطق الثلاث ومن استمرار الخلافات السياسية والإيديولوجية بين الأطراف السياسية المختلفة في كل من فلسطين والعراق ولبنان.
لا شك إن الأزمات السياسية المتأججة في هذه المناطق تنذر بخطر محدق على كافة الدول العربية إذا لم تتوفر الحلول المناسبة لكل منها، وأن هذه الحلول تتطلب انغماسا حقيقيا وتدخلا مباشرا من قبل كل الدول العربية، الأمر الذي يستدعي تدخل القادة العرب وجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي من أجل توحيد الصفوف وترشيد الجهود وممارسة الضغوط اللازمة على اللاعبين السياسيين الأساسيين على الساحة الدولية وداخل هذه المناطق الساخنة من الوطن العربي.
لقد باتت الشعوب العربية متعطشة لدور قيادي من قبل قادتهم العرب تجاه مختلف القضايا السياسية والاستراتيجية لأنها أوشكت أن تفقد الثقة بتاريخها وحضارتها وتراثها وهي تشهد انهيارات سياسية وإحباطات اقتصادية واختراقات أمنية تهدد وجودها كأمة حرة ومؤثرة في منطقتها الجغرافية والسياسية.
إن مكانة المنطقة العربية السياسية والاقتصادية والحيوية تساهم بشكل إيجابي على تغيير الأوضاع الراهنة في المنطقة. فقضية فلسطين التي تواجه خطراً مزدوجاً مصدره الاختلاف الداخلي واستمرار الاحتلال الإسرائيلي بحاجة إلى معالجة سياسية عملية تبدأ بدعوة القادة الفلسطينيون من كافة الأطياف السياسية لإقناعهم بضرورة حل خلافاتهم السياسية والعمل فوراً على تشكيل حكومة وحدة وطنية قادرة على مواجهة الخطر الخارجي.
كذلك الأمر بالنسبة للملف اللبناني الذي أصبح بحاجة إلى مساعدة عربية قوية لإخراجه من محنته السياسية وإعادته إلى مساره الصحيح حتى لا يقع فريسة التناقضات الداخلية ويدخل نفقاً مظلماً يصعب حينئذ على الدول العربية إنقاذه من التمزق والتشرذم، أما فيما يخص الملف العراقي الأكثر تعقيداً في تركيبته الداخلية وتأثير الخارج عليه فالدول العربية قادرة وتملك كل الوسائل والأدوات لأن تقود حملة دبلوماسية عربية وإسلامية وعالمية للبحث في الملف العراقي مستفيدة من الدراسات والتقارير الدولية ذات الصلة ومن الاستعداد الدولي بما فيه الأميركي لبذل كل الجهود لإنقاذ العراق من خطر التقسيم والحرب الأهلية.
إن الشعوب العربية هي شعوب ناضجة ومستعدة للالتفاف حول قادتهم السياسيين وتمكينهم من قيادة سفينة العرب نحو الأمن والاستقرار والازدهار بمساعدة ومساهمة معظم دول العالم وخاصة هؤلاء الذين أصبحوا يدركون خطورة الأوضاع الراهنة على مستقبل المنطقة بأسرها ومصالحهم الحيوية فيها.
قد لا تبدو مسيرة العمل لإنقاذ المنطقة العربية من التمزق طيعة وسهلة ولكن البديل لذلك هو مزيد من الدمار والقتل والفتنة والتهديد لكافة دول المنطقة وأنظمتها السياسية.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com