الكل في واحد، والواحد معبر عن مصالح الكل، هو شعارنا الذي لا ينبغي أن ننساه لحظة واحدة، وهو جوهر كل سياستنا، وهدف كل برامجنا، هو الأساس الذي نستند إليه وهو أيضاً الهدف الذي نسعى له.
وعندما تفوز امرأة إماراتية في انتخابات برلمانية لأول مرة في تاريخ التجربة الانتخابية البرلمانية الجديدة تلك التجربة التي هي أيضاً أول تجربة انتخابية، فإن هذا يعني ـ وفقاً لقاعدة الكل في واحد ـ أن المرأة في الدولة الاتحادية قد دخلت عصراً جديداً، في تاريخها، كما يعني أن دولة الإمارات نفسها قد دخلت عصراً جديداً، فإن تفوز امرأة بالانتخاب لأول مرة ليس معناه أن المرأة الإماراتية قد حققت إنجازاً فقط، بل معناه أن الشعب الإماراتي نفسه قد حقق إنجازاً هو الآخر، إذ غير نظرته إلى المرأة.
ونظر لها كشريك في عملية البناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي، كما يعني هذا أيضاً أن الجهود الذي بذلتها الدولة بمختلف قطاعاتها لاسيما قطاعات التعليم والإعلام، علاوة على الجهود التي بذلها المجتمع المدني والمرأة نفسها في تحسين وضعية المرأة، قد أتت ثمارها الأولى في الانتقال بالمرأة من حال إلى حال، كما أتت ثمارها في الانتقال بالمجتمع من حال إلى حال.
وفي نفس هذا السياق ـ الكل في واحد ـ جاءت التجربة البرلمانية الجديدة مبرهنة على الرغبة الواضحة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة وحكام الإمارات في تطوير الحياة السياسية في الدولة الاتحادية، عن طريق العمل على تفعيل المشاركة الشعبية في صنع القرار السياسي، فإذا كانت الدولة الاتحادية قد حققت تقدماً اقتصادياً ملحوظاً وأصبح لها مكانة دولية، فلا شك أن السياسة قرين الاقتصاد، ولابد من مواكبة الحياة السياسية للحياة الاقتصادية.
وقد أظهرت التجربة الانتخابية البرلمانية الجديدة أن الإمارات تملك مجموعة من المواطنين لديها رؤى ووجهات نظر سياسية واجتماعية واقتصادية على مستوى واضح من النضج، وقد ظهر هذا من خلال برامج المرشحين ـ سواء كانوا رجالاً أو نساءً ـ كما ظهر من خلال لقاءاتهم مع الجماهير، بصرف النظر عن مدى اختلافنا أو اتفاقنا معهم في قليل أو كثير من الجوانب. فلكل وجهة نظره في عملية الإصلاح وأولوياته.
وقد تمخض السباق إلى المجلس الوطني الاتحادي، عن أشياء كثيرة، لعل من أهمها: فسح المجال أمام الرأي والرأي الآخر، والتنوع في البرامج الانتخابية التي تهدف إلى خدمة الوطن والاستجابة لمطالب وحاجات المواطن والارتقاء بأحواله نحو مزيد من الحياة الكريمة.
نعم الامتحان الأصعب لم يدخله أحد بعد، إنه امتحان الأداء في المجلس الوطني الاتحادي. ولا شك أن طائفة من الفائزين سوف تأخذ الأمور بجدية، أما البعض الآخر فسوف يظن أن دخوله البرلمان هو نهاية المطاف، البعض سوف يعمل من أجل خدمة الوطن الاتحادي، والبعض سوف يعمل من أجل خدمة الإمارة التي انتخب فيها، والبعض سوف يعمل من أجل أغراض أخرى سواء كانت أغراضاً نبيلة أم غير ذلك.
ومن وجهة نظرنا، بل من وجهة نظر كل المواطنين من أبناء الدولة الاتحادية، أن الأولوية القصوى التي يجب أن يضعها نصب عينيه كل عضو من أعضاء المجلس الوطني الاتحادي هي: «وحدة الإمارات وتماسكها وقوة بنيتها الاتحادية»، ولقد وضعنا هذه القضية بين قوسين لأسباب كثيرة، لعل من أهمها مزيد من التركيز على هذه القضية، والتشديد عليها كأولوية قصوى لا تعدلها أية أولوية أخرى، ومزيد من التأكيد على أنه يجب ألا يظن أي عضو أنه ممثل لإمارة ما، أو لفئة ما، أو لطائفة ما، بل إنه ممثل للأمة الاتحادية والشعب الإماراتي كله.
نعم إن عضو المجلس الوطني هو ممثل لشعب الإمارات كله، وليس ممثلاً لأي قطاع أو طائفة، وأكبر الخطأ وأعظمه أن يركز عضو ما على قضايا إمارته ويهمل قضايا الوطن، فالكل تحت سقف البرلمان من أجل الوطن ككل، ومن ثم يجب ان يقف الجميع من أجل ان يسير الأداء البرلماني في سياق خدمة الوطن وقضاياه، للارتقاء به ككل.
لا نريد على سبيل المثال ان نقع في الخطأ الذي وقعت فيه بعض الدول، مثل الصين، حيث التنمية فيها مركزة فقط على المناطق الشرقية والجنوبية، اما المناطق الشمالية والغربية، فتعاني معاناة شديدة من جراء التمييز، والإهمال!
ان دولة الإمارات العربية المتحدة شعب واحد ووطن واحد ودم واحد، وما التركيبة «الفيدرالية» إلا تركيبة سياسية متقدمة تعمل على الوحدة في إطار التنوع الخلاق، فهذا التنوع هو فقط من أجل إثراء الحياة، لا من أجل التمييز أو الاختلاف.
ان المجلس الوطني هو السياج الذي يدعم مصالح الوطن ككل ويخدم قضايا المواطنين ككل، وثم يجب ان يناقش المجلس الوطني القادم القضايا التي تصب في مصلحة الوطن ككل، مثل الدور الرقابي ومناقشة القضايا العامة التي تمس كل الإمارات مثل قضية البطالة وقضية المحليات وقضية التعليم وقضية الفساد الإداري، وقضية التضخم وقضية تنمية المناطق المهمشة والنائية، وسياسة التنمية المستدامة.. الخ.
كما يجب ان يقف الأعضاء عند القضايا الاقتصادية العامة التي تصب في مصلحة الوطن ككل، مثل قضية القوانين المنظمة لسوق العمل، وتنمية الصادرات وطرق الحماية من لهيب الأسعار، وطرق تجنب تراجع مؤشر سوق أبوظبي ودبي المالي لحماية المستثمرين من الخسائر الكبيرة التي يتعرضون لها والتي يمتد أثرها إلى كل مواطن عادي.
بالإضافة إلى بحث سبل التشجيع على عودة الاستثمارات الإماراتية في الخارج من أجل انعاش الحياة الاقتصادية، إلى غير ذلك من القضايا ذات الطابع العام، أي التي تتعلق بالشأن الإماراتي ككل، ولا تخص إمارة دون غيرها.
إننا ننتظر أداءً برلمانياً رفيعاً في المجلس الوطني، أداءً لا يغفل عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تهم المواطن العادي، التي تهم رجل الشارع، إننا ننتظر أداءً برلمانياً واعياً بأهمية التطوير المستمر للتعليم والتدريب وإعادة التدريب من أجل الارتقاء بالأداء المهني في جميع القطاعات.
إن أخوف ما نخاف عليه أن ينسى الأعضاء الفائزون ما وعدوا به في برامجهم، وأن ينسوا وعودهم للمواطنين.
إن برنامج كل مرشح محفوظ في وسائل الإعلام، بل محفوظ في عقل كل مواطن، والعضو الذي يظن أن الجماهير تنسى، مخطئ تماماً، وسوف يكون مصيره الخسارة الفادحة في أية انتخابات مقبلة. ونفس المصير سوف يلحق بكل نائب يعمل من أجل إمارة ما على حساب الإمارات الأخرى.
إن تدعيم الوحدة بين الإمارات هو الهدف، ولابد من مراعاة ذلك في كل المناقشات، وتجنب مسألة قد تؤثر على تحقيق هذا الهدف،يراودني شك في أن كل الفائزين هم من المواطنين المخلصين، وأنهم من أحرص الناس على دعم الانتماء والوطنية والوحدة، لكن هذا لا يعني إغفال مصالح الأمة الاتحادية، فمصالح المواطنين هي مصالح الوطن كله، والارتقاء بحياة كل مواطن إماراتي هو ارتقاء بحياة الإمارات كلها، فالكل في واحد، والواحد معبر عن مصالح الكل. هذا هو هدفنا دوماً.. إنه هدف الماضي وهدف الحاضر وهدف المستقبل.
جامعة الإمارات
