بدأت اتفاقات وقف إطلاق النار بين «فتح» و«حماس» تتحول إلى اسطوانة مملة وكابوسية. هي باتت تبعث على الملل لكثرة تكرارها. معزوفتها تتردد بصورة شبه دورية؛ وكأنها تسمع لأول مرة. أو كأنه لا معنى ولا قيمة لما فيها من التزام. وفي ذات الوقت صارت بمثابة كابوس يؤرق الشارع الفلسطيني، بدلاً من أن يجلب إليه الاطمئنان. فالإعلان عن وقف النار بين المتصارعين غدا، لكثرة ما تعددت مراته؛ وكأنه مقرون ضمناً بإعلان مؤجل عن انكسار الاتفاق حول وقفه.
التجربة فرضت هذا الاقتران. فها هو اتفاق أول أمس يسقط على أرض الواقع بسقوط قتيلين وعدة جرحى؛ قبل أن ينشف حبر التوقيع عليه! بالكاد مضى عليه نصف نهار، قبل أن ينهار. عند حصوله صدرت الدعوات، من الفريقين «لانسحاب جميع المسلحين» من الشوارع؛ و«سحب السلاح ومظاهره؛ مع وقف إطلاق النار والانتشارات المسلحة». رافق ذلك إعادة التأكيد على «وحدة هذا الشعب» والتشديد على استمرار هذه الوحدة، هذا كلام هام، بنبرته وأيضاً بمضمونه. من المفترض أن يتمتع بصدقية لا تشوبها شائبة.
فهو يتناول أمراً حيوياً يتعلق بالحياة والموت، كما يتعلق بمصير شعب وقضية ومسيرة طويلة عريضة بلغت كلفتها جبالاً من التضحيات. وخاصة في هذه اللحظة العصيبة، حيث تجتاز الوحدة الوطنية الفلسطينية امتحاناً مصيرياً: فإما أن تتعافى وتستعيد لحمتها وحصانتها لمواجهة الاحتلال وإفشال مخططاته العدوانية؛ وإما أن يتواصل تمزيقها، ومعه تمزيق حلم الدولة والاستقلال.
وليست هذه المرة الأولى التي يحصل فيها «توافق»(!) على وضع حد للتدهور الأمني والمواجهات المسلحة بين الفريقين. لقد تكررت هذه الظاهرة مراراً، في الآونة الأخيرة. المشهد صار من النوع المألوف: تعثر في ردم الفجوات السياسية بينهما؛ ثم وقف للحوار يتبعه تأزيم.. يؤدي إلى مراكمة الاحتقان مع خطاب إعلامي تراشقي وتحريضي؛ ينتهي الأمر به إلى احتكاكات ومواجهات.. وتصفيات. بعدها تسارع الأطراف إلى تجديد اللقاءات التي يعقبها اتفاق كالذي حصل أول أمس؛ لا يلبث أن يلقى حتفه بعد ساعات.
مثل هذه المتتالية اشتهرت بها الحالة اللبنانية، مع بداية انفجار الحرب الأهلية البغيضة. والخوف بات مشروعاً من أن تكون حالة غزة متماثلة؛ لا سمح الله.
معزوفة وقف إطلاق النار الفلسطيني تفرض استحضار الشريط اللبناني على الأقل لجهة التذكير به والتحذير من عواقبه ومخاطر انتقاله إلى الساحة الفلسطينية. فهذه الأخيرة لا تحتمل كما احتمله لبنان. السبب جوهري: الساحة الفلسطينية واقعة في شدق تنين الاحتلال الإسرائيلي الجاهز دوماً للانقضاض على فريسته الفلسطينية، بشراً وحجراً وشجراً، كلما سنحت له الفرصة. وهو لا يحلم بفرصة ذهبية أكثر من فرصة التفرج على مشهد النحر الفلسطيني ـ الفلسطيني فهل هذا ما يريده الفلسطينيون؟ الجواب عندهم.