بعيداً عن القرار المتسرع الذي اتخذه الاجتماع المشترك للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورؤساء الكتل البرلمانية الصغيرة في المجلس التشريعي، والداعي لاجراء انتخابات تشريعية جديدة في فلسطين، تختفي تحت ظاهرة الجمود الساكن في الوضع الفلسطيني الراهن جملة من المساعي التي تبذلها العديد من الأطراف المخلصة في الساحة الفلسطينية وداخل التنظيمين الأكبر في فلسطين، لرأب الصدع المتسع بين حركتي فتح وحماس، بعد أن وصلت مسألة تشكيل الحكومة الوطنية الائتلافية الموحدة الى مرحلة حاسمة.

وانطلاق تحركات البعض من الذين لا يروق لهم إحلال مبدأ التشاركية في العمل الفلسطيني. فالتشاركية في العمل الفلسطيني ستطيح بهم وبامتيازاتهم التي حصدوها منذ تشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994.فقرار اللجنة التنفيذية للمنظمة ليس سوى قرار استخدامي، غايته إحداث التحول الدراماتيكي في الوضع الفلسطيني باتجاه اعادة قولبة الخارطة السياسية داخل المجلس التشريعي الحالي.

ومن هذا المنطلق رفضت عدة قوى فلسطينية، شاركت في اجتماعات اللجنة التنفيذية القرار اياه، كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومصطفى البرغوثي رئيس كتلة المبادرة الوطنية وطالبت بمتابعة الحوار الوطني الشامل أولاً، واستكماله حتى نهاياته المرجوة ثانياً، وتشكيل الحكومة الائتلافية على أرضية نتائج الحوار ثالثاً.

وعليه، وبغض النظر عن النوايا، فان الدعوة الأخيرة لإجراء انتخابات تشريعية فلسطينية جديدة بعد أقل من عام مضى على إجراء الانتخابات السابقة، يصدر عن اللجنة التنفيذية المنتخبة وقد اعترتها تحولات كثيرة، منها وفاة ثلث أعضائها، ووجود الثلث الثاني من الأعضاء الذين دخلوا عضوية اللجنة التنفيذية كممثلين لفصائلهم دون شرعية بعد أن غادروا القوى التي كانوا ينتمون إليها، مما دفع غالبية القوى «للطعن في شرعيتها» على الأقل.

وكل ذلك سيولد بالضرورة مخاطر كبيرة على صيانة ووحدة البيت الفلسطيني، وربما يعتبرها البعض محاولة لإقصاء حركة حماس من السلطة، وعملية انقلابية بامتياز للإطاحة بنتائج الانتخابات السابقة التي اكتسحت بها حركة حماس مقاعد المجلس التشريعي.

وتهمشت فيها أيضاً القوى الصغيرة كالقوى اليسارية والقومية والقوى التقليدية، التي تراجعت في حضورها وهبطت في أسهمها نحو الحضيض باستثناء حركة فتح التي مازالت تحتفظ بحضورها بشكل متميز كما هو حال حركة حماس، بغض النظر عن التراجع المؤقت في حضورها بين الناس نتيجة الإشكالات الداخلية التنظيمية التي تمر بها منذ رحيل الرئيس الشهيد ياسر عرفات، وتعدد مراكز القرار المحلي.

ان النتائج السلبية للتردي الخطير في الوضع الفلسطيني نشاهده ونلحظه الآن بالاحتكاكات السلبية ذات الطابع الدموي والتي تجري بين الفينة والأخرى في قطاع غزة، بينما يجلس أولمرت مرتاحاً منتعشاً وهو يرى بأم عينه هذا التهالك الداخلي الفلسطيني ـ الفلسطيني.

فإعادة طرح مسألة انجاز وإعادة الانتخابات التشريعية لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تكون طريقاً لحل استعصاء بناء وتشكيل الحكومة الائتلافية التي يسعى الفلسطينيون لانجازها، فهي مسألة تثير اللبس، وتثير الهواجس والتقديرات المختلفة التي تقول بأن العملية برمتها ليست سوى « مؤامرة » تحاك على يد البعض بعد أن فشلت عمليات الحصار والضغوط الخارجية في إسقاط وتهميش حركة حماس وتحديداً حكومة الأستاذ إسماعيل هنيه.

وعليه فان الانتخابات في الدعوة الجديدة غير ممكنة لاعتبارات شتى، منها أن الانتخابات السابقة لم يمض عليها الوقت الكافي للحديث عن انتخابات جديدة. كما أن التوافق الوطني بين حركتي حماس وفتح، مسألة لابد منها من أجل تهيئة المناخات المناسبة لإجرائها، ولانجاز الوحدة الوطنية والوصول الى بر الأمان.

إضافة الى أن تحييد فعل العامل الخارجي وبالحدود الممكنة، مسألة لابد منها من أجل ضمان نزاهتها حين اقتراب الموعد الحقيقي لاستحقاق إجرائها، ومتابعة عمل المجلس التشريعي الحالي والسير على طريق تشكيل حكومة ائتلاف وطني بدلاً من تمييع الأمور، وطرح صيغ جديدة لانتخابات عجولة غير مبررة.

ان تجاوز الأزمة الفلسطينية الراهنة، وعبور النفق السياسي من التباينات التي بدأت تدب في تواترها داخل البيت الفلسطيني منذ انسداد طريق بناء الحكومة الائتلافية خلال اكتوبر الماضي، يتطلب من حركتي فتح وحماس على وجه التحديد، المبادرة السريعة والمباشرة لتجاوز نقاط الافتراق لصالح نقاط التقاطع المشتركة.

والنزول من علياء شجرة المكابرة التنظيمية الاستحواذية على مقادير السلطة لصالح القبول بمنطق الحل التقاطعي الوسط. والا فان كلا من الحركتين ستعزلان ذاتهما في نهاية المطاف داخل القوقعة التنظيمية البعيدة عن حركة الناس والشارع، ذات المصلحة في الوحدة الداخلية واستقرار الوضع الفلسطيني.

خصوصاً وأن حركة فتح على وجه التحديد تعاني من أزمات تنظيمية مستفحلة مع غياب انعقاد المؤتمر العام منذ (17) عاماً في الوقت الذي نمت فيه أجيال جديدة من الكوادر والأعضاء في معمعات الانتفاضتين الأولى والثانية، وهي تبحث عن موطئ قدم لها في سياق « تزاحم الأجيال المشروع ».

وانطلاقاً من المعطيات إياها، فان الطريق الأنجع والأفضل لتجاوز الأزمة الفلسطينية الداخلية لا يكون بالدعوة لانتخابات تشريعية جديدة، بل في تغيير السياسات التحالفية الفلسطينية البينية عند مختلف القوى والفصائل لصالح سياسات تحالفية قائمة على الحل الوسط، وبعيدة عن منطق الأنانية التنظيمية الذاتية المفرطة.

وتفكيك مواقع المصالح الخاصة وإقصاء أصحابها الذين يعملون على إفشال المساعي لبناء الحكومة الائتلافية من موقع انشدادهم نحو امتيازاتهم وخوفهم من فقدانها مع نجاح الجهود الفلسطينية لبناء حكومة الوحدة الوطنية حال نجاح انجازها.

ان الحالة الفلسطينية لم تعتد تحتمل المزيد من الخراب الداخلي، ولم يعد عامل الزمن مفتوحاً على مصراعيه، فكل تأخير في انجاز إعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية في الداخل، وبناء الحكومة الائتلافية المنشودة سيجر وراءه المزيد من عمليات الحصار الإسرائيلي، والضغط الخارجي، بينما تعاني الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين، خصوصاً في قطاع غزة من تردي مستوى الحياة الاقتصادية والمعيشية، ومن تراجع لعمليات وكالة الأونروا مع زيادة الأعباء التي تتحملها كل يوم.

كاتب فلسطيني ـ دمشق