من المؤكد أن النتائج ما هي إلا إفراز لواقع معين، واقع يؤكد أن البدايات هي البوابة الرئيسية للنهاية، وان الحياة في مجملها حلقات متصلة بين ما هو سياسي في النهاية وبين ما هو اقتصادي أو اجتماعي.

كانت المفاجأة الأولى، أن تفوز ابنة الإمارات في مباريات الآسياد الآسيوي، تلك البطلة هي سمو الشيخة ميثاء بنت محمد بن راشد آل مكتوم، تلك الإنسانة التي أبدعت وتألقت في الرياضة، وكان وراءها ذلك الفارس الذي يؤمن بان الإنسان هو الذي يخلق توجهاته، كان التحدي قويا بين الأمم الآسيوية، إلا أن الإصرار على إثبات الوجود، كان الدافع، فما بالك إن كان هناك أب يؤمن بحق أبنائه في ممارسة حياتهم كما يريدون.

وتكرر الانجاز حين حقق الشاب الرياضي ابن الإمارات البار سمو الشيخ راشد بن محمد بن راشد آل مكتوم، الذهبية في سباق القدرة، ذلك السباق الذي يعد من أصعب السباقات الرياضية، والتي تؤكد على أن من يمارسها قد أنس الصبر والقوة، وعقد العزم على الفوز مهما كانت التضحيات، من المؤكد أن كل من شارك في هذه المسابقة أو تلك كان يسعى للفوز، إلا أن الفوز لن يكون في النهاية إلا من نصيب الأجدر.

والأجدر هم الذين امضوا الساعات بل الأيام الطوال في المران وبذل الجهد، والمثابرة، وقبول النصح والسماع لما يشير به المدربون، أولئك الذين يدركون صعوبة مسابقة القدرة على صهوة حصان تسبح فوق أرض صحراء وعرة ألفتها لكثرة المران، وأدركت أن فارسها لن يقبل بأقل من الفوز في ظل تحد عالمي لا ينظر إلا لمن يستطيع الصمود وتحقيق الانتصار اعتمادا على مؤهلات رياضية عالية، لا يكون فيها مجال لتدخل عوامل أو ظروف أخرى.

لقد أكدت سمو الشيخة ميثاء، كما أكد سمو الشيخ راشد، ان التربية الرياضية كانت المقياس للفوز، وأن ذلك الإنسان القادم من الصحراء، والذي يتحلى بأخلاق الفروسية، والعمل من أجل الفوز، هو المعيار الحقيقي، ان المتابع لملامح ذلك الفارس وهو يستقبل إعلان النتائج يدرك مدى الفرحة، والشعور بالانجاز، كان ذلك الوالد قد تتلمذ وتدرب في مدرستي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمهما الله، مدرسة الدولة الاتحادية، والتي تؤكد دائما على ان الانجاز يحتاج إلى قوة وتحمل، وان التحدي ينتج عنه اثبات الذات.

كم كانت الفرحة بادية على الجميع من خلال اللحظة التاريخية التي استقبل فيها الأبطال المتوجون بالغار، والذين تزين صدورهم الميداليات البراقة في مطار دبي، كان أهل الإمارات من كل الفئات الاجتماعية، يستقبلون العائدين برمز الفوز سواء أكانت الميدالية التي يحملونها ذهبية أم فضية أم برونزية، لقد أدرك كل من شاهد احتفالات العودة.

والحفاوة التي استقبل بها أبناء الإمارات سواء من الذكور أم الاناث، ان الأب في تلك اللحظات أيا كانت مكانته إنسانا عاديا أو نائبا لرئيس الدولة، أو غيرها من المناصب السياسية، هو الأب الحاضر بروحه، بإحساسه بأبوته الغامرة، وكان الفرح يجمع بين الجميع، لقد كانت ملامح الانتصار بادية على وجه إنسان يحمل سمات التغيير في الدولة الاتحادية.

في الوقت نفسه كانت الإمارات على موعد مع نتائج أول انتخابات نيابية، وكانت الآراء تختلف قبل الانتخابات فيما إذا كانت المرأة ستصل إلى البرلمان، أم أنها ستتعثر على الطريق، الطرف الآخر يبني قناعاته على أنه من المستحيل وصول المرأة إلى مقاعد المجلس الوطني الاتحادي، ليس في الإمارات فحسب.

بل وفي دول مجلس التعاون كافة، لأن الرأي العام في هذه الدول ضد دخول المرأة معترك العمل السياسي، ففي الكويت، والتي تعتبر أقدم ديمقراطية في المنطقة، كانت النتائج ضد المرأة، وكذلك الأمر في البحرين بما تحمله من تجارب سياسية، سواء أكانت حزبية أم غير ذلك، لم تفز أية امرأة في الانتخابات، واذا انتقلنا إلى قطر فإننا نجد أن النتيجة كانت سلبية أيضاً.

إلا أن أصحاب الرأي الأول كانوا يبنون نظرتهم على أن تجربة الإمارات تتسم بالعمق الذي لم تتسم به تجربة خليجية أخرى لأن التغييرات التي تمت في الإمارات لم تكن سطحية، والتحولات في النظرة الاجتماعية كانت ترتكز إلى تجربة اثبتت فيها بنت الإمارات جدارتها، فهي لا تنغلق على نفسها، ولا توصد الأبواب أمام التطورات، وفي الوقت نفسه هي حريصة كل الحرص على عراقتها وأصالتها وقيمها الاجتماعية الموروثة.

كانت الأنظار متجهة نحو الإمارات، لقد عودتنا القيادة الشابة في الإمارات والمتمثلة في صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، ونائبه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، على تحقق المعجزات في دولة الإمارات، انطلاقاً من نجاح التجربة الاتحادية.

وصولاً إلى الفوز في التحديات الرياضية، أما فيما يتعلق بالتحدي السياسي فقد أكدت منذ البداية أن أمل قد حققت الأمل والباب مازال مفتوحاً أمام المرأة في الإمارات الأخرى، والتي ستجري فيها الانتخابات لاحقاً. المهم أن المرأة وطأت قدماها المجلس الوطني، وهي ستدخله رافعة الرأس، عزيزة كريمة وهي لن تمتهن الصمت، بل إنها ستناقش وستحاور في قضايا المجتمع لأنها نصفه.

إن الإمارات في ظل القيادات الشابة تؤكد يوماً بعد يوم أنها نموذج جديد، يؤكد على أن الإدارة والتخطيط بعداً عن الأهواء قادران على تحقيق الميداليات الذهبية في الرياضة، وأن تحقق دخول المرأة في الحياة السياسية يحمل بشائر إرادة التغيير في ظل عالم متغير، انها إفراز للمجتمع التجاري، وإن التفاعل الثقافي والحضاري، والتواصل بين الأمم يؤكد على أن الحياة مستمرة للأبد بين المحافظة والتقدم، وان الإنسان هو الذي يحدد الرؤية.

رئيس وحدة الدراسات والبحوث

malmutawa@albayan.ae