بارومتر الأزمة اللبنانية، عاد مؤشره إلى الارتفاع بعد أيام بدت وكأنها كانت استراحة؛ اقتضتها المداولات الدائرة بشأن المبادرة العربية المطروحة؛ كما اقتضاها اقتراب موسم الأعياد. لكن هذه الاعتبارات لم تصمد حتى النهاية؛ التلويح من هنا وهناك برفع سقف المطالب والشروط والمواقف.

ولو بعد نهاية السنة، أضفى جواً من التخوف بأن الأمور تتجه إلى المزيد من التصعيد ومن الابتعاد عن المخارج والحلول. فبدلاً من ترقب حصول شيء من الحلحلة؛ باتت الأجواء توحي بالعكس. وزاد من إشاعة هذا الانطباع أن رائحة التعقيد فاحت عشية عودة أمين عام الجامعة العربية، عمرو موسى، إلى بيروت؛ لاستئناف اتصالاته بالأطراف اللبنانية المعنية؛ حول ما كان بدأه من وساطة الأسبوع الفائت. الأمر الذي طرح علامة الاستفهام حول مصير مهمته.

مهمة الأمين العام ليست سهلة. صحيح أن عودته السريعة، مع الحرص على إشاعته لشيء من التفاؤل، تترك باب الاحتمالات الايجابية مفتوحاً. ولو مواربة. وهذا جانب مشجع في الدور الذي يقوم به، لكن أيضاً الذي لا جدال فيه أن العقدة المستحكمة اليوم على الساحة اللبنانية باتت شائكة ومتداخلة، إلى حدّ أن النجاح في تجميد التداعي على ساحتها ولو مؤقتاً؛ يعتبر بمثابة إنجاز، ذلك أن المنحى الذي أخذته من البداية.

والتي واصلت انضباطها في سياقه، يشير إلى أنها سائرة في خط اللا تراجع. والخطر الكبير هنا، أن خطاً هكذا محكوم بطبيعته بأن يتحول إلى واقع صدامي، على الأرض. حتى ولو خلا من العنف إلى حين. وحتى الآن كان كذلك. وهي مناعة يُغبط اللبنانيون على التسلّح بها. كانت ولا تزال صمام الأمان، لكن هذا الأخير يحتاج دوماً إلى تزخيم وإعادة شحنه بعوامل الصمود، التي تقيه من التآكل.

الأزمة اللبنانية طالت. اشتدت قبضتها على خناق البلد، ولم يعد أحد يطيق حتى حالة الشلل المستبدة به. فكيف إذا تطورت إلى ما هو أكثر سلبية. وليس في لبنان، من المعنيين بالحالة الراهنة، من لا يعرف أن المرونة هي المفتاح للخروج من هذا الاختناق .

ولو نحو فسحة صغيرة، وإذا كان مثل هذا الشرط يتعذر تلبيته في هذه اللحظة، عن طريق تقديم تنازلات يقتضيها أي حلّ وسط؛ فعلى الأقل يمكن تلبيته سلباً من خلال الكف عن التصعيد ورفع السقوف ناهيك عن التشبث اليابس في المواقف. فسلوك مثل هذا لا يندرج في خانة السعي لتحسين الموقع التفاوضي؛ بقدر ما يندرج في خانة عرقلة الوساطات وإجهاضها، حتى ولو لم يكن القصد كذلك، ذلك أن مثل هذه الممارسة تنتهي إلى مثل هذا المجرى؛ شاء صاحبها أو لم يشأ.

على الأقل لأن اللحظة اللبنانية الحالية بكل حساسياتها ومطباتها؛ تقلّصت طرقاتها ولم يعد فيها مساحة إلا لواحد من اثنين: إما الممارسة المؤدية إلى تسوية معقولة مقبولة؛ وإما تلك التي تؤدي إلى المزيد من التعجيز ومترتباته المعروفة والتي سبق واختبرها اللبنانيون واكتووا بنارها. وعلّ هذه الخبرة يطغى استذكارها، بالرغم مما فيه من ألم، على خياراتهم؛ فيقدمون بذلك خدمة لبلدهم الذي تهدف المبادرة العربية إلى إنقاذه من محنته.