من يراقب الساحة الفلسطينية هذه الأيام يضع يده على قلبه من أن يفلت الزمام من بين أيدي العقلاء، ويسيطر على مقاليد الأمور أصحاب المصالح الأنانية والحسابات الفردية والمطامع الرخيصة العاجلة، لتؤول الأمور إلى حرب مجانية لا يستفيد منها إلا أعداؤهم في إسرائيل، وستكون بلا شك حرباً تأكل الأخضر واليابس، وستزيد من معاناة الناس التي بلغت الذروة، حتى سحقت الناس وجعلت معظم الفلسطينيين يعيشون تحت خط الفقر.

ولعل المهتم بالقضية الفلسطينية، قضية العرب المركزية لما يقرب من قرنٍ من الزمان، يشعر بالفزع وهو يرى المتحكمين بالقرار في هذه الساحة يدفعون الأمور باتجاه مواجهة مهيأة لتصعيد خطير، لا يعلم إلا الله مداه، فعود الثقاب الذي يتمثل في هذا التصعيد سيشعل حرائق هائلة ستنتشر في أرجاء الوطن الفلسطيني، هدية لا أروع منها.

ولا أثمن للمحتلين الصهاينة الذين خططوا بذكاء ودهاء لهذا اليوم المشؤوم، وعملاؤهم المتربصون بوحدة هذا الشعب وتعاونه الأسطوري في ساعات الشدة والعسرة جاهزون ينتظرون الأوامر من أسيادهم لإشعال فتنة هائلة قد تبدأ باغتيالات القيادات، ولا تنتهي إلا والكل بانتظار المحرقة الهائلة التي ستأتي على الجميع.

إن هذه الأيام العصيبة هي امتحان قاس للقيادات الفلسطينية التي تستثير مشاعر شباب لديهم الاستعداد لمواجهات يائسة، لا تجدي شيئاّ، بل ستكون وصمة عار في تاريخ هذا الشعب المجاهد المناضل الذي ما لانت له قناة، وليس من مسوغ يعفي أحداً من لعنة التاريخ التي لا ترحم أحداً؛ فالكرامة والشهامة والمروءة والشجاعة لها مكانها الطبيعي.

وأما التنافخ والتعاظم فلا وجود لهما بين الأهل الرازحين جميعاً تحت الاحتلال، ومن أسف أن نرى بعض الرموز التي كانت تبدو متعقلة تبدي في جو ارتفعت حرارة المواجهة فيه انفعال الصبيان؛ أملاً في منفعة أنانية عاجلة أو طمعاً في عودة مجد شخصي سحب عليه الزمن رداء الظلام.

وقد يقف المتنافسون أمام الأضواء ليبدوا حججهم، وليتباروا في الدفاع عن أنفسهم ظناً منهم أنهم سيعفون أنفسهم من المسؤولية التاريخية الجسيمة التي يحملونها على أكتافهم، وقد يشعر بعضهم أنه أعذر إلى الله بعد أن أبدى الحجة البليغة البالغة، وأوهم نفسه أنه لم يعد أمامه ما يتنازل عنه، والآن جاء يوم الحسم ويوم الحساب.

وأقول إن هذا الذي يقولونه عذر أقبح من ذنب، فليس هناك أي عذر يمكن قبوله، وأنهار الدم مرشحة لتسيل في شوارع وتلال فلسطين المجاهدة المقدسة، ولن يقبل الشعب ولا الأمة ولا التاريخ أية حجة مهما يكن سببها تكون سبباً في اقتتال الأخوة في فترة تبدو فيها فلسطين في منعطف من أخطر منعطفاتها التاريخية وأشدها حرجاً.

فالحق الفلسطيني معرض الآن أمام الأهواء والنزوات والنزعة الفردية المريضة، للضياع على موائد اللئام الذين ما اقتنعوا بحق الفلسطيني في أرض الآباء والأجداد، وليس أمامهم إلا المعيار الإسرائيلي معياراً وحيداً، وعلى الفلسطيني الطيب في عرف هؤلاء جميعاً أن يريح العالم ويدس نفسه في أعماق الثرى..

وإذا كان الوضع العالمي الآن لا يسمح لقوى الخير من العالم العربي أو خارجه للتدخل الفعال للحيلولة دون تطور الأمور في اتجاه المواجهة التي لا تحمد عقباها- فإن على أهل الحكمة والرأي والخبرة والوطنية أن يفوتوا الفرصة على المغرضين الطامعين.

وعليهم أن يضعوا أمامهم ميثاق شرف غير مكتوب، يضعونه في صدورهم وعقولهم ومضمونه الجوهري أن الدم الفلسطيني خط أحمر، بل كبيرة من أشد الكبائر لا يجوز أن تنتهك تحت أي حجة أو أي مسوغ مهما تكن الحجج والمسوغات، وكفانا هذه العنتريات وهذه الخطب الرعناء المحرضة على الدم الذي يجب ألا يسيل إلا من أجل الوطن والقيم والمقدسات.

فما الجدوى من التناحر والعدو يتربص بهم الدوائر، ولا يني يقتل الجميع من أبناء هذا الشعب ويدمر حياته اليومية بدم بارد، ولا يقبل أن يعطيه أية فرصة للعيش كما يعيش الناس في أية بقعة في هذا العالم؟ فمن العجب إذن أن نصغي إليه وهو لا يمنح أي فريق أية فرصة مهما تكن متواضعة لإدارة دفة الحياة:

إنه جاء مغتصباً، وستبقى عقلية الاغتصاب هي التي توجه سلوكه، وسيظل يتذرع بحجج لا تجوز إلا على السذج بأنه يسعى لتحقيق السلام، فما على الإخوة إلا أن يحقنوا دماء بعضهم بعضاً، إن لم يستطيعوا أن يتوحدوا في وجه الخطر المشترك الداهم.

وإذا كان الفلسطينيون آمنوا بالديمقراطية فإن الديمقراطية يجب أن تظل وسيلة لا غاية، ويجب أن تظل نهجاً في التفكير والسلوك والتعامل، فليس من يملك الأكثرية أو السلطة مخولاً أن يتجاهل الآخر، ولو كان أقلية.

وعلى الذين في السلطة أو في المعارضة أن يحترم أحدهم الآخر، وأن يضعوا المصلحة الوطنية العليا نصب أعينهم، لا المصلحة الفردية والأنانية الضيقة، وعليهم أن يرعوا الله في تصرفاتهم وخياراتهم، وإلا فإن تحكيم الشللية أو العشائرية أو الحزبية الضيقة أو الجهوية تعد نكسة كبيرة للديمقراطية التي تحترم الحرية والعدالة والمساواة.

وإن مجتمعاً كالمجتمع الفلسطيني فيه من الطاقات الكبيرة التي كانت السبب في نهضة الوطن العربي، والتي ما زالت بصمات عبقريتها واضحة للعيان في كل مكان، يستحق أفضل بكثير من أناس تهمهم مصلحتهم الضيقة أو مواقعهم الزائلة أو حساباتهم الأنانية.

نقولها ولا نمل من تكرارها إن كل قوى الشر تتربص بأهل فلسطين، أهل الرباط، وتتمنى أن ينزلقوا إلى فتنة عمياء يطيش فيها لب اللبيب الحليم، حين لا ينفع الندم ولا يجدي البكاء على ما فرطوا في جنب وطنهم وقضيتهم، فالله الله في فلسطين، ودماء أهل فلسطين القابضين على الجمر، ووطن يقوده ألف رأس أفضل من شعب تسقط عن رقابه كل الرؤوس، فحذار حذار من الفتنة العمياء، فلزعمائها الهداية، ولفلسطين الأمن والعدالة والحرية والسلام.

جامعة الإمارات

itfibrahim@yahoo.com