لعلّ السؤال الأبرز الذي يطرح نفسه، في هذا الوضع المتأزم في الأراضي العربية المحتلة، وفي هذا الظرف الصعب بالذات.. من المستفيد من الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني؟

ولعلّ الجواب لا يحتاج كبير عناء لكي يؤكد، أن هذا الاقتتال هو بمنزلة هدية مجانية لـ«إسرائيل» التي تحلم بجر الفلسطينيين إلى حرب أهلية بالنيابة عن قواتها المرهقة بعد العدوان على لبنان، وحكومتها المهتزة سياسياً واقتصادياً، من تداعيات هذا العدوان، وتكشف حقيقة ممارساتها الإرهابية أمام الرأي العام العالمي بعد مجزرة بيت حانون والعدوان على غزة الشهر الماضي. ‏

صحيح أن ثمة وقفاً لإطلاق النار، سُجل بالأمس، إلاّ أن الصحيح أيضاً، أن الاحتقان مشحون بين طرفي الرئاسة والحكومة، وهناك من يصب الزيت على النار، بالانحياز لهذا الطرف أو ذاك، كما فعل توني بلير أمس، وكما كانت ردود فعل الإدارة الأميركية ومعها الاتحاد الأوروبي، عندما عاقبوا الشعب الفلسطيني عقاباً جماعياً على اختياره الديمقراطي في تشكيل حكومته، وأوهموا بعض الفلسطينيين بأن مأساة الحصار والعقاب الجماعي وتوقف الممارسات الإسرائيلية وبدء مسيرة التسوية، كلها أمور لن تتم إلا إذا سقطت هذه الحكومة! ‏

ثم أخذ السجال الفلسطيني ـ الفلسطيني، يتصاعد على خلفية هذه التسويغات غير البريئة، والتي أعدت لتكون «طُعماً» وعامل شقاق وتفرقة، رتبتهما «إسرائيل» بالتنسيق مع الإدارة الأميركية وبعض النافذين في أوروبا على أمل إجهاض القضية الفلسطينية من الداخل، وتبرئة «إسرائيل» من كل ما ارتكبته من إجرام موصوف، وإفساح المجال أمامها، لاستكمال المخطط الصهيوني الاحتلالي وتهويد ما تبقى من القدس العربية. ‏

باختصار.. إنها مؤامرة أميركية ـ إسرائيلية بامتياز، مكشوفة الأبعاد والمرامي، ولا يخفى في هذا الصدد، الترحيب والابتهال اللذان أبدتهما حكومة أولمرت وإدارة بوش فور ورود الأنباء عن وصول الخلاف بين الفلسطينيين إلى اشتباكات مسلحة.. وللأسف ثمة من تعامل مع هذا المخطط بنيّة طيبة على أمل الخلاص من الوضع الصعب بفعل خارجي أولاً وأخيراً. ‏

وعليه، فإن الوضع المتأزم، لا يحتمل مراهقة سياسية أو قفزة إلى المجهول «كفشة خلق»، والخلاف بين الفلسطينيين في وجهات النظر يبقى ثانوياً، أمام إرهاصات الاحتلال والعدو الإسرائيلي المشترك للفلسطينيين والعرب.. ومن ثم فإن هناك ضرورة لاحتواء كل ما من شأنه شق وحدة الصف الفلسطيني، وتفعيل جهد الجميع على قاعدة الأولويات الوطنية التي لا تحتمل أي تأويل أو اجتهاد، وكل الآمال معقودة على جميع الفلسطينين بأن يكون ما جرى طفرة آنية لن تعيق المسار الصحيح للقضية المركزية للأمة. ‏