كان من الطبيعي أن تسعى الإمارات إلى موازاة التحديث الاجتماعي والنمو الاقتصادي الملموسين بخطوة في اتجاه التطور السياسي، من خلال إفساح المجال، وللمرة الأولى منذ إعلان اتحاد الإمارات قبل خمسة وثلاثين عاما، لإجراء انتخابات، يتم بمقتضاها اختيار نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي (البرلمان).

وهذا التوجه، الذي قابلته النخب الإماراتية بترحاب ظاهر، هو بداية تطبيق برنامج سياسي متدرج أعلنه صاحب السمو رئيس الدولة في ديسمبر من العام الماضي، وأكد فيه أن غاية هذه العملية السياسية هو الوصول بالبلاد إلى الانتخابات الحرة الموعودة، التي تتيح لجميع المواطنين فرصة تاريخية مميزة للمشاركة في صنع مستقبل الإمارات، عبر الصناديق الانتخابية.

وهذه الخطوة المحسوبة بعناية ستؤدي، في كل الأحوال، إلى العديد من السلوكيات السياسية الإيجابية، منها توسيع دائرة النخبة المهتمة بالعمل العام، توطئة لجذب المواطنين جميعا للانشغال بالسياسة، أفكارا وتطبيقات، ووسائل ومقاصد، بما يصنع مواطنا أكثر قدرة على المشاركة في هموم بلده، وأوسع خبرة في تفهم أوضاعها وعلاقاتها ومشكلاتها،

وأكثر حرصا على البحث عن حلول لهذه المشكلات، العارض منها والمزمن. وهذا سيقود، في خاتمة المطاف، إلى حال من التوافق العام حول القضايا الجوهرية التي يجب الانشغال بها، والتفاعل معها، بما يسهم في إبداع طرق وأساليب تتسم بالجماعية النسبية، ستصبح، من دون شك، أكثر ملاءمة للتعامل مع الواقع الإماراتي.

كما ستسهم هذه الانتخابات في تدريب المواطنين تباعا على »المؤسسية« باعتبارها أرقى ما توصل إليه البشر في الحكم والإدارة، وهي مسألة لا تهملها الإمارات في عالم الاقتصاد والمال وتصريف الأعمال، وجاء الآن الدور لتعزيزها في دنيا السياسة وشؤونها.

ويقود تحليل التصريحات والأحاديث التي تم إطلاقها في الآونة الأخيرة على ألسنة أولي الأمر في الإمارات إلى أن هناك رغبة في أن يؤدي التحديث السياسي التدريجي للوصول إلى المرحلة التي تتجسد فيها الإرادة الشعبية كاملة، وأن المجلس الاتحادي المقبل سيناط به، على الأرجح، القيام بتعديلات وإجراءات قانونية ودستورية من شأنها توسيع مشاركة المواطنين في الحياة السياسية.

وقد تعامل الإماراتيون مع هذا الوعد بجد وحماس جليين، يبرهن عليه كثافة المرشحين، والتي وصل إلى أن يتنافس اثنان وعشرون مرشحا على كل مقعد برلماني، في نسبة هي الأعلى في العالم العربي. ولم تقتصر هذه الجدية على الرجال، بل امتدت إلى النساء، اللائي يشكلن أربعة عشر في المائة من جملة المرشحين، وهي نسبة متفوقة أيضا قياسا إلى ما عليه الحال في بلدان عربية أخرى.

ويتعامل هؤلاء جميعا، كما يتضح من برامج المرشحين وشعاراتهم الانتخابية، مع تلك المرحلة الفارقة في تاريخ الإمارات على أنها لبنة عريضة تؤسس لحالة سياسية جديدة، مرشحة للسير في طريق مستقيمة، وفي خط تصاعدي، يرفع من الوزن النسبي للمجتمع في صنع القرار، ليس عبر الأفراد فحسب،

بل أيضا عبر مؤسسات وتنظيمات أهلية، مرشحة هي الأخرى للتزايد المستمر، الذي يتماشى مع تعزز دور القطاع الخاص الوطني في التنمية، وحرص الدولة على جذب الاستثمارات الأجنبية، جنبا إلى جنب مع العمالة الماهرة النادرة، وفي التخصصات التي تنفع اقتصاد واعد طموح.

إن الإمارات بهذه الخطوة قد لحقت ببقية دول مجلس التعاون الخليجي التي سبقتها إلى اعتماد الانتخابات طريقا لاختيار المؤسسات التشريعية، أو جزءا من أعضائها. وتتوافر مؤشرات ومعطيات وتلوح في الأفق بوادر أخرى على حرص القيادة السياسية في البلاد على أن تتوالى الخطوات وتتسع، بشكل متوازن ومحسوب وليس من خلال قفزة واحدة.

وفي ثنايا هذه الخطوات المدروسة والجرعات المحسوبة يتدرب المواطنون على المشاركة السياسية معتمدين على حالة الرضاء العام التي لا تخطئها عين أي زائر للإمارات أو مقيم بها.

ويقوم هذا الرضاء على القيم والاتجاهات الإيجابية المتوفرة في البناء السياسي التقليدي المعتمد على أخلاق القبيلة وأعرافها من ناحية، وعلى تقدم مستويات المعيشة للأغلبية الكاسحة من المواطنين من ناحية أخرى.

وبعد أن عرفت الإمارات الانتخابات التشريعية، فإن من الطبيعي أن تتسع دائرة الرضاء، ويتعمق الولاء، ويزداد الحرص على دفع البلاد قدما في طريق التقدم في كافة المجالات، وهي رحلة لا تنتهي أبدا، عند الأمم الحية، والشعوب الطموحة.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ــ القاهرة