كان الهدف الأساسي لتشكيل »مجموعة دراسة الوضع في العراق«، هو تقييم الحالة العراقية، ورسم سياسة بديلة تحظى بقبول غالبية الشعب الأميركي، وتمكن الحكومة الأميركية من الخروج من الورطة العراقية بأقل الخسائر.
ولذلك أُسندت رئاسة المجموعة لاثنين من أبرز الشخصيات السياسية الأميركية المخضرمة، جيمس بيكر ولي هاملتون، كممثلين للجمهوريين والديمقراطيين على التوالي. ولقد قال التقرير أنه ليس بالإمكان نجاح أية سياسة خارجية لا يدعمها الشعب الأميركي، وقاما انسجاما مع هذا المنطق، بتقديم توصيات تشكل في مجموعها خطة سياسية بديلة للتعامل مع المشكلة العراقية، تجمع ما بين آراء الجمهوريين ووجهة نظر الديمقراطيين والمطالب الشعبية.
لقد دأب الرئيس بوش على القول بأن المطالبة بالانسحاب الفوري من العراق هي سياسة انهزامية غير مقبولة، وأنه لا بد من تحقيق النصر. وفي المقابل، دأب الديمقراطيون على القول بأن أميركا تخسر الحرب، وأن على العراقيين حل مشاكلهم بأنفسهم،
وأنه ليس أمام أميركا سوى سحب قواتها من العراق في أقرب وقت ممكن. أما الشعب الأميركي فقد بدأ يتململ منذ سنتين، واتجه تدريجيا إلى المطالبة بوقف الحرب وعودة المحاربين إلى ارض الوطن. لذلك حاول التقرير أن يجمع ما بين تلك المطالب جميعا، وأن يوحدها في خطة قابلة للتطبيق.
تشير آخر استطلاعات الرأي العام إلى أن خطة بيكر- هاملتون استحوذت على رضا الشعب الأميركي وتأييده بشكل عام، إذ دلت تلك الاستطلاعات على أن 69% من الناس يعتقدون بأن أميركا تخسر الحرب، وأن 65% منهم يؤيدون ما جاء في التقرير، وأن 57% يوافقون على قيام أميركا بفتح حوار مع إيران وسوريا.
إلى جانب ذلك، يعتقد 61% أن غزو العراق كان تصرفا خاطئا، وأن 23% من الأميركيين فقط يوافقون مع الرئيس على وجوب بقاء القوات العسكرية في العراق حتى تحقيق الأهداف المنشودة، وأن نسبة من يعتقد منهم بأنه ما زال بالإمكان كسب الحرب قد انخفضت إلى 9%.
أما فيما يتعلق بشعبية الرئيس بوش، فتدل الاستطلاعات على انها تدهورت كثيرا حيث أصبحت 32% فقط، وأن 61% من الأميركيين يعتقدون أن بلادهم تسير في الاتجاه الخاطئ. وهنا لابد من الإشارة إلى ان الرئيس بوش لم يعد يتحدث عن نصر في العراق، بل عن تحقيق أهداف متواضعة: بناء عراق قادر على حكم نفسه بنفسه، وصيانة وحدته، والدفاع عن وطنه.
أما فيما يتعلق بردود فعل الرئيس بوش ورجال الكونجرس، وأنصار إسرائيل وقادتها، وساسة العراق، والرأي العام العالمي، فقد تراوحت بين الترحيب إلى الرفض والشجب. إذ بالرغم من ترحيب بوش بصدور التقرير إلا أنه لم يتحمس له ورفض أجزاء مهمة منه، وقال بأنه سيعتبره جزءا من الآراء المختلفة التي يقوم بدراستها من اجل طرح خطة بديلة، ووعد بانجازها وإعلانها في أوائل الشهر القادم.
أما رجال الكونجرس فقد رحب الكثيرون منهم بمعظم ما جاء في التقرير، إلا أن الأغلبية اعترضت بشدة على الدعوة لفتح حوار مع إيران وسورية وعقد مؤتمر دولي لحل الصراع العربي – الإسرائيلي. أما قادة إسرائيل ومؤيدو سياستها الاستيطانية فقد أدانوا ربط ما يجري في العراق بما يجري في فلسطين، ورفضوا الدعوة لمؤتمر دولي والحوار مع إيران وسورية.
وفي العراق، كانت ردود الفعل في مجموعها سلبية، فالحكومة لم تعجبها الدعوة لاستخدام سياسة الجزرة والعصا لتشجيعها على تحمل مسؤولياتها، والأكراد رفضوا الدعوة إلى الحفاظ على مركزية الحكم وتوزيع العائدات النفطية بالتساوي بين المواطنين، والسنة لم يجدوا في التقرير ما يدعم مطالبهم الشرعية في مشاركة عادلة في الحكومة والجيش وقوات الأمن. أما في أوروبا فإن ردود الفعل كانت ايجابية بشكل عام، وإن كانت إحدى الجرائد قد رأت فيه نهاية لهيمنة أميركا على العالم.
أما المفاجأة في استطلاعات الرأي العام فقد كانت تأييد الشعب لقيام حكومته بعملية سياسية لإيجاد حل شامل لقضية الصراع العربي – الإسرائيلي. وأعتقد أن تبلور هذا الموقف الجديد يعود في الدرجة الأولي لعاملين أساسيين: الحنكة السياسية التي يتمتع بها كل من بيكر وهاملتون،
وقيامهما باستخدام المنطق العلمي والحجة المقنعة في تحليل الوضع العراقي وكشف حقيقة وأبعاد الأزمة العراقية والورطة الأميركية، وربط الحالة العراقية المأساوية بما يجري في المنطقة المحيطة بالعراق.
أما العامل الثاني فهو صدور الكتاب الأخير للرئيس الأسبق كارتر تحت عنوان »فلسطين: سلام وليس تفرقة عنصرية«، وعدم تخوفه من استخدام الكلمات المناسبة والقاسية في وصف التصرفات الإسرائيلية غير الإنسانية على الأرض الفلسطينية، وكشف مدى تناقض سياستها الاستيطانية مع القانون والقرارات الدولية.
إنني اعتقد أن الرئيس كارتر قرر أن يوظف كل ما استحوذ عليه من مصداقية على الساحة الأميركية والدولية لخدمة قضية السلام في الشرق الأوسط، ومن اجل إنصاف الشعب الفلسطيني، وفي سبيل تعرية الادعاءات والأكاذيب الإسرائيلية على الساحة الأميركية.
ولذلك، وقبل صدور الكتاب، ودون أن يطلع عليه مسؤول واحد، شن أنصار إسرائيل في أميركا من سياسيين وأكاديميين، ديمقراطيين وجمهوريين ومستقلين، حملة شنعاء على الرئيس كارتر للتشكيك في أمانته العلمية ومواقفه الأخلاقية والتزاماته الإنسانية. لكن كارتر لم يتراجع ولم يعتذر عما ورد في كتابه، وقام بالرد على التهجمات بثقة ودون مواربة.
وفي الواقع، قدم تقرير لجنة بيكر- هاملتون وكتاب الرئيس كارتر خدمة إعلامية للعرب تتجاوز قيمتها عشرات البلايين من الدولارات، ودعما سياسيا وأخلاقياً للفلسطينيين لا يقدر بثمن، مما يستوجب استغلاله لتكثيف الدعوة للسلام، ورسم خطة إعلامية عربية على أساسهما، قادرة على النفاذ إلى الرأي العام الأميركي وصانع القرار في بلاده.
غالبية أعضاء الكونغرس اعترضوا على فتح حوار مع سوريا وإيران والدعوة لمؤتمر دولي حول الشرق الأوسط
أكاديمي أميركي من أصل عربي
professorrabie@yahoo.com