قطعت كوندوليزا قول كل خطيب. فما كاد الرئيس أبو مازن يختم خطابه الذي أعلن فيه قراره بإجراء انتخابات مبكرة حتى سارعت وزيرة الخارجية الأميركية بدورها إلى الإعلان بأنها ستطلب من الكونغرس اعتماد »عشرات الملايين« من الدولارات لغرض تعزيز قوات الأمن التابعة لرئيس السلطة الفلسطينية.

هكذا يبدو الأمر كسيناريو مرسوم سلفاً: خلق حالة توتر متصاعد يؤدي بتسلسل حتمي لاستفزاز حركة »حماس« لجرجرتها إلى حرب أهلية فلسطينية يتغذى الطرف القتالي الآخر فيها بأموال وإمدادات سلاح أميركية ــ إسرائيلية.

القضية ليست مسألة جدل دستوري عما إذا كان رئيس السلطة الفلسطينية يملك حق إقالة الحكومة وتسريح المجلس التشريعي المنتخب واتخاذ قرار أحادي بإجراء انتخابات مبكرة. هذه هي مجرد حيل فنية.

فأصل القضية يتمثل في صراع حول مشروعين سياسيين: مشروع وطني فلسطيني تتبناه حماس من خلال الحكومة المنتخبة ومشروع إسرائيلي مدعوم أميركياً تتبناه طغمة »السلطة الوطنية« باسم فصيل فتح الذي يسمي نفسه أيضاً »منظمة التحرير الفلسطينية«.

على هذا النحو فإنه صراع مصيري، وأشد الناس إدراكاً لهذه المصيرية رجلان: ايهود أولمرت وجورج بوش من خلال مراهنتهما على فتح لابتدار حرب أهلية تنتقل بالقضية الفلسطينية إلى طريق الضياع الماحق.

على الصعيد المحلي هناك رجل ثالث هو محمد دحلان الذي يحمل لقبين. فهو رئيس جهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية منذ بداية تطبيق اتفاق أوسلو على الأرض.. ولقبه الثاني الذي استحدث مؤخراً هو مستشار الأمن القومي لرئيس السلطة الفلسطينية, فالسيد دحلان ظل طوال سنوات أوسلو مسؤولاً عن التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والأجهزة الأمنية الخارجية.

منذ الوهلة الأولى لإعلان اكتساح حماس للانتخابات النيابية في يناير بدأ تطبيق السيناريو على أيدي قادة فتح باستغلال حالة الحصار الشامل المفروض أميركياً وإسرائيلياً على الشعب الفلسطيني.

على مدى الشهور التالية منذ الانتخابات وحتى اليوم تتوقف إسرائيل عن تحويل عائدات الجمارك المالية (أكثر من 600 مليون دولار حتى الآن) الخاصة بالسلطة الفلسطينية بينما تتولى السلطات الإسرائيلية والسلطات الأميركية معاً وعلى مستوى عالمي سد جميع المسارب التي يمكن أن تتحول من خلالها أموال إلى الحكومة الفلسطينية.

وعوضاً عن أن يعمد قادة فتح إلى تأليب فئات الشعب ضد إسرائيل والولايات المتحدة فانهم يتعمدون إثارة الغضب الشعبي ضد »حماس« وحكومتهما.

الآن يجري تصعيد تطبيق السيناريو إلى مستوى صدام دموي بينما على الخلفية تدفع كوندوليزا رايس بطلبها إلى الكونغرس لاعتماد عشرات الملايين من الدولارات لصالح فتح.