تزامنا مع صدور كتاب الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر عن (فلسطين : السلام وليس الفصل العنصري)، جاء اعتراف كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة، عن محورية القضية الفلسطينية باعتبارها مفتاح السلام والاستقرار بالشرق الأوسط، ووصفه لما يجرى بالعراق بأنه حرب أهلية، والوضع فيها بأنه أسوأ مما كان عليه أيام صدام حسين.

وإذا كان كتاب كارتر جاء منصفا للفلسطينيين، وجسد معاناتهم، وحاول إيصالها إلى الرأي العام الأميركي الذي لا يسمع الا ما يسمح به اللوبي اليهودي داخل الولايات المتحدة، فان هذا الإنصاف ( المتأخر ) من جانب كارتر يثير أسئلة كثيرة لدى المراقبين للشأن الأميركي والدولي، ومواقف المسؤولين خلال السلطة وقرب تركهم لها وبعدها أيضا.

صحيح أن كارتر يواجه حاليا انتقادات حادة من جانب اللوبي اليهودي، لدرجة أن مركز فيزنتال الذي يتخذ من لوس انجلوس مقرا له اعتبر أن (جيمي كارتر أصبح أحد أشرس منتقدي إسرائيل، والمتحدث الافتراضي باسم القضية الفلسطينية )، وصحيح أيضا أن الرئيس الأميركي الأسبق تناول في كتابه ما يمكن تسميته بالمحرمات في الولايات المتحدة، ولكن السؤال الأهم الآن هو : هل كان كارتر يستطيع أن يقول تلك الكلمات أو يصدر هذا الكتاب وهو قابع خلف مكتبه البيضاوي في البيت الأبيض؟ وهل تجدي آراء كارتر الآن نفعا للفلسطينيين الذين حرموا من كل شيء بسبب خيارهم الديمقراطي؟

من خلال رؤى كارتر في كتابه، وعنان في تصريحاته الأخيرة قبيل تركه منصبه، ومن قبلهما كولن باول وزير الخارجية الأميركي السابق الذي اعترف بخطئه حول امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، من خلال كل ذلك، يستطيع المراقب أن يسجل الفجوة الكبيرة بين موقف هؤلاء وغيرهم حينما يكونوا في السلطة وخارجها. وقد يرى البعض أنها صحوة ضمير جاءت متأخرة لتبرئ الذمة،

بينما يرى آخرون أن الجهر بهذه الآراء في الحالة الأولى كان سيكلفهم الكثير، وخير مثال على ذلك موقف الدكتور بطرس غالى الأمين العام السابق للأمم المتحدة، حينما أصر على نشر تقرير موفده حول مجزرة قانا اللبنانية ومسؤولية إسرائيل عنها، وهو الأمر الذي أغضب تل أبيب وبالتالي واشنطن التي رفضت التجديد بالتالي التجديد له لفترة ولاية أخرى.

وفي هذا السياق يجد البعض عذرا لكوفي عنان الذي لم يتخذ موقفا منصفا من الحرب الأميركية على العراق، بل عمل طوال فترتيه بتنسيق كامل مع الخارجية الأميركية وكأنه استوعب درس الدكتور غالى جيدا وأراد أن يكون براجماتيا وينحي المبادئ الأخلاقية جانبا.

وما يقال عن عنان وكارتر وباول، يقال أيضا عن الكثير من القادة الذين تتغير آراؤهم ( قبل وخلال وبعد) السلطة، فعدالة القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى كثير من البراهين، والمجازر الإسرائيلية شبه اليومية ضد أبناء الشعب الفلسطيني يشاهدها الجميع، وامتلاك إسرائيل للسلاح النووي حقيقة معروفة حتى قبل اعتراف أولمرت بها، والاحتلال الأميركي للعراق وتخريبه وتقسيمه ونهب ثرواته النفطية،

ليست خافية على أحد، ولكن تبقى في النهاية حقيقة أن المبادئ تظل واحدة فقط حينما تجد من يدافع عنها بإخلاص ويتمسك بها مهما دفع في سبيلها من تضحيات، وهى صفات نادرة تحتاج إلى إرادة قوية ومغالبة لا تلين لمغريات سحر المنصب والشهرة.

haniihanii@hotmail.com