لم يكن إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس المتعلق بتبنيه خيار الانتخابات (الرئاسية والتشريعية) المبكّرة مفاجئا لأحد، ولكن هذا الخيار دونه عقبات وتعقيدات جمة؛ ولعل ذلك كان أحد أسباب عزوف الرئيس عن حلّ الحكومة، أو تحديد موعد بعينه لإجراء هذه الانتخابات، وهذا ما ستبيّنه الأيام القادمة.
المعنى من ذلك أن توجه رئيس السلطة نحو الانتخابات المبكرة، كان بمثابة الحل الأخير، على طريقة «آخر الدواء الكي»، أو بمثابة عملية جراحية مؤلمة، بعد أن فقد الأمل بالحوار، أو بعد أن تعذر على القوى المعنية (فتح وحماس) التوافق على إيجاد معادلة تتيح التعايش مع الواقع السائد.
وفي كل الأحوال فإن خيارات الرئيس الفلسطيني كانت جدّ محدودة وصعبة ومعقدة، بعد أن أخفقت تجربة الحوار، فهو، مثلا، لم يكن يملك الأخذ بخيار من مثل حلّ الحكومة الحالية، وتشكيل حكومة طوارئ، أو حكومة عادية، من شخصيات وطنية كفوءة، لأنه لا يملك الصلاحية لذلك، من دون التوافق مع حماس، خصوصا في ظل وجود مجلس تشريعي بأغلبية «حماسية».
ومن جهتها فإن «حماس» لم تسهّل البتّة لأبي مازن، فهي، مثلا، قبلت منذ البداية بتشكيل حكومة أحادية، وعملت على خلق واقع من ازدواجية السلطة، أو ازدواجية المرجعية، في مواجهة موقع الرئيس، برغم أن شرعية الرئيس لا تقل عن شرعيتها، وعلى الرغم من معرفتها أن الرئيس هو مرجعية السلطة!
وهي فوق هذا وذاك لم تأخذ العبر المناسبة من الحصار والعزل، الذين تم فرضهما على الشعب الفلسطيني وحكومته، بعد الانتخابات، بسبب المواقف «الحماسية» الأيديولوجية، إن عبر التنازل لصالح تشكيل حكومة وحدة وطنية أو عبر تشكيل حكومة من شخصيات وطنية مستقلة، خصوصا أن هذه الحكومة ستبقى تحت إشراف ورقابة المجلس التشريعي، الذي تسيطر عليه حماس.
وكانت «حماس» في رفضها أي من هذه المخارج المعقولة، تحاول أن تحيل الوضع الفلسطيني المتأزّم إلى نوع من مؤامرة عليها، وإلى حال من الانقلاب على الانتخابات، من قبل رئيس السلطة، وحركة «فتح»، في حين أنها تدرك بأن الرئيس بالذات، وحركة فتح إياها، مهدا الطريق أمامها للانخراط في النظام السياسي، والمشاركة في الانتخابات، ونقل السلطة إليها.
وهي تدرك بأن الرئيس وفتح قاوما املاءات إسرائيل، والإدارة الأميركية، المطالبة بالحؤول دون إدخالها في النظام الفلسطيني، وبالتالي الانتخابات، بسبب معارضتها اتفاقات أوسلو، التي انبثقت عنها الانتخابات والسلطة، وأن الرئيس وفتح قاوما أيضا المطالبات الأميركية والإسرائيلية بضرب البنية التحتية لحماس، للتسهيل على السلطة.
على ذلك فإن اتهامات «حماس»، المتسرّعة، ليس لها من معنى، لأن الأزمة الفلسطينية الحاصلة، هي نتاج الحصار الإسرائيلي للشعب الفلسطيني، والعزل الدولي للحكومة، وامتناع الدول المانحة عن تقديم التزاماتها المادية، أكثر من كونها أزمة فلسطينية.
والحاصل فإن المجتمع الدولي، الممثل بالدول المانحة، هي التي تتحمّل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن معاقبة الشعب الفلسطيني على خياراته الديمقراطية، وعن تدهور أحواله المعيشية، وتسهيل استفراد إسرائيل به، ومن العبث توجيه اللوم إلى أطراف فلسطينية معينة بدعوى التواطؤ، أو السكوت عن هذا الواقع،
فهذه الأطراف لا تتحمل مسؤولية ذلك، لأن احتضان المجتمع الدولي للكيان الفلسطيني، وتقديمات الدول المانحة المالية للسلطة الفلسطينية، تم ترتيبها وفق معايير سياسية معينة، وضمنها التزام عملية التسوية، مع إسرائيل، وليس أية عملية أخرى، وهذا ما يعرفه القاصي والداني، وهذا ما تدركه حماس وتحجبه في خطاباتها السياسية. ثم من الذي قال إن هذه الدول (الغربية) معنية بدعم أو بتمويل وضع سياسي لا يتفق مع معاييرها؟ أليس في ذلك سذاجة أو خفة سياسية؟
على ذلك فإن مشكلة حماس الأساسية تكمن في أنها وافقت منذ البداية على الانخراط في انتخابات، ومن ثم تشكيل حكومة في سلطة، لا تعترف بمرجعيتها، ولا بالشروط التي أوجدتها، سواء كانت منظمة التحرير أو اتفاقات أوسلو، أو أنها شاركت في كل ما تقدم من دون أن تستوعب، أو تدرس، التداعيات أو الاستحقاقات الناجمة عن كل ذلك.
وفي الواقع فإنه منذ صعود حماس إلى سدة السلطة (مارس 2006)، وسيطرتها على الحكومة وعلى غالبية المجلس التشريعي، بدا واضحا أن عجلة النظام الفلسطيني لا تشتغل بطريقة سليمة أو بنّاءة، بل إنها تشتغل بدولابين متعاكسين، لأسباب عدة، أهمها:
1ـ إن حركة فتح، التي تآكل دورها في القيادة والسلطة، مازالت تمسك بسدّة رئاسة السلطة، كما برئاسة المنظمة، التي تمثل المرجعية العليا للسلطة الفلسطينية.
2 ـ إن غالبية العاملين أو الموظفين في أجهزة الأمن، وأجهزة السلطة، هم من منتسبي حركة فتح أو من المتعاطفين معها.
3 ـ إن الكيان الفلسطيني، من الأساس، قام وفق شروط ومعايير، محلية وإقليمية ودولية، لا تتلاءم مع توجهات حماس السياسية؛ خصوصا بعد أن بدا عدم أهلية حماس لمغادرة موقعها المعارض للعملية السياسية التي قامت على أساسها عملية التسوية، التي أنجبت الكيان الفلسطيني.
4 ـ إن حركتي «فتح» و «حماس» باتتا تحتكران المشهد الفلسطيني كله (تقريبا)، بعد تآكل مسار التعدد والتنوع في الساحة الفلسطينية، بسبب إمكانيات هاتين الحركتين، وتراجع نفوذ الفصائل الأخرى، ما عزّز من روح الاستقطاب والتنافس السياسي والميداني بينهما.
المعضلة أن أزمة النظام الفلسطيني لا تقتصر على مجرد الاشتباك (بين فتح وحماس) في المجالات الدستورية التي ذكرناها، ولا على مجال الصراع على السلطة، فحسب، بين هاتين الحركتين، فهذه الأزمة تشمل، إضافة إلى ما تقدم، أولا، التصارع على تحديد المرجعية السياسية للساحة الفلسطينية، وتعيين خياراتها السياسية الاستراتيجية (التسوية أو الصراع)، وهنا مربط الفرس ومكمن التعقيد فيها.
ثانيا، إن هذه الأزمة بات لها مداخلات دولية وإقليمية، تتمثل بفرض آليات الحصار والعزل على الشعب الفلسطيني، وعلى كيانه السياسي، ووقف معونات الدول المانحة له، الأمر الذي يفترض معالجات للخروج من هذه الدائرة.
ثالثا، ثمة في هذه الأزمة محاولة لإقحام الساحة الفلسطينية بالتوظيفات الدولية والإقليمية في الصراع المحتدم، في هذه المرحلة، على الشرق الأوسط، ما يصعب على الأطراف المعنية إيجاد حلول توافقية مناسبة.
رابعا، إن هذه الأزمة تحصل في ظل انسداد مختلف الخيارات، من العملية السياسية، إلى عملية المقاومة، أو الانتفاضة، لاسيما بعد أن استنزفت طاقات الفلسطينيين، طوال السنوات الخمس الماضية، بسبب الإجراءات الإسرائيلية، والفوضى والخلافات الداخلية.
خامسا، ثمة وجه اجتماعي ـ إنساني لهذه الأزمة فثمة 160 ألفا من موظفي السلطة لم يتقاضوا البتة رواتبهم منذ أشهر عديدة، ما يفاقم من حدة الفقر، ومن المشكلات الاجتماعية والأخلاقية في المجتمع الفلسطيني؛ الأمر الذي يفترض إيجاد حل سريع له.
سادسا، إن الأطراف المعنية مباشرة في هذه الأزمة، والمقصود هنا فتح وحماس تحديدا، هي أطراف مسلحة، والمشكلة أن هذه الأطراف باتت على حافة التدهور إلى نوع من الاقتتال الجانبي، الذي لا يحمد عقباه، لاسيما في ظل التحريض المتبادل، وفي ظل التشدق بالعبارات التخوينية والاتهامية، كل طرف لآخر، ما يفرض البحث عن خيارات سلمية ديمقراطية لحسم الخلاف الناشب.
هكذا يمكن الاستنتاج بأن الأزمة الفلسطينية كانت وصلت إلى طريق مسدود قبل خطاب الرئيس. الآن وبغض النظر عن دستورية خيار الرئيس بالانتخابات المبكرة، من عدمه، فإن الساحة الفلسطينية معنية اليوم بالتوافق على واحد من خيارين، لا ثالث لهما، فإما التوافق بين «فتح» و «حماس»، على قواسم سياسية وميدانية مشتركة، لمواجهة السياسات الإسرائيلية،
ولإدارة الوضع الداخلي، وإما التحول نحو حسم واقع الازدواجية والتعادل بالوسائل الديمقراطية والدستورية، بتنظيم انتخابات مبكرة رئاسية وتشريعية في آن معاً، للحسم في مجمل القضايا السياسية المختلف عليها، بما يضمن تجاوز الواقع الإشكالي الناشئ بشكل لائق وحضاري، وبما يضمن سلامة المسيرة الفلسطينية أيضاً.
كاتب فلسطيني