من الحقائق الفاشية التي تعيشها المنطقة؛ وبالتحديد بؤرها الملتهبة، أن أزماتها الداخلية، تمعن في التعقيد والانسداد أكثر وأكثر؛ وان انكشافها للخارج تزداد رقعته يوماً بعد يوم. ومن الواضح أيضاً أن العلاقة بين الاثنين طردية: بقدر ما توغل الأزمات في التصعيد، بقدر ما تؤدي إلى تسهيل الطريق أمام القوى الخارجية لرفع وتيرة استباحتها للساحة المستهدفة. وبذلك تكاد هذه الساحات تتحول إلى ملعب تدور فوقه الصراعات الإقليمية والدولية؛ مع كل ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر الاقتتال الأهلي ومن تهديد خطير بخلخلة الكيانات، ومع كل ذلك يستمر التدهور وتستعصي الحلول والتسويات.

وكأن هذه الأوضاع باتت رهينة لسلوك محكوم بالوصول إلى نهايات، لا يخرج معها أحد من المتصارعين سالماً، فالخطاب المتداول شيء والحاصل على الأرض شيء آخر تماماً، على النقيض. مثلاً الكل يتحدث عن «الحوار» (!) ويدعو إليه ويفتح يديه مرحباً بالعودة إلى طاولته. بل يبدو وكأنه مستميت لتحقيق هذه العودة، لكن ما أن يبدأ التشاور أو الحث، في هذا الخصوص؛ حتى تنهال قوائم الشروط المسبقة، الناسفة مسبقاً لأية إمكانية للقاء، وحتى عندما يتم لا يلبث أن ينفرط؛ إما بسرعة وإما من دون جدوى: كالحوار والتشاور في لبنان؛ ومؤتمر المصالحة أمس في العراق؛ وحوار المراوحة الفلسطيني، الذي تحول إلى قطيعة، ثم إلى اشتباكات دموية، وكأن التحاور لغة ممنوعة أو وباء فتاك.

المعزوفة نفسها تتكرر ومن دون وجل، حول الحاجة إلى حكومة «وحدة وطنية»، خاصة في فلسطين. كل طرف يتبارى في الحديث عن فضائلها وضرورتها في الظرف العصيب الذي تعيشه البلاد. وطبعاً يعرب عن استعداده للعمل في هذا الخصوص، في نهاية المطاف تمضي الأيام والشهور والوحدة الوطنية لا تبصر النور، لا بل تصاب بالمزيد من التصدع والفجوات التي تباعد بين أهل الصف المفترض أن يكون واحداً؛ على الأقل لأنه مستهدف؛ إما من احتلال وإما من خطر الفتنة الداخلية؛ أما الكلام عن هذه الأخيرة فحدث ولا حرج.

عبارة «الحرب الأهلية» تكاد تتحول إلى تعبير روتيني ـ على الرغم مما تنطوي عليه من كوابيس مرعبة ـ لكثرة ما لاكته الألسن والأقلام. التحذيرات منها تتوالى بالرزم، القوى المتنازعة تغدق في التطمينات بالابتعاد عنها وبالإصرار على منع وقوعها! مع أنها في بعض الساحات واقعة.. أو شبه واقعة.. أو تتجمع غيوم وقوعها.

وعلى هوامش هذه المفردات التي صارت مثل اللازمة في الأغنية، نبت قاموس جديد وخاص من الصياغات التي تستخدم كذخيرة في حروب الإعلام والاتهامات الدائرة، والتي تتراوح بين قنابل التخوين وصواريخ التبعية؛ مع كل ما يؤدي إليه ذلك من انهيار للوساطات، كما لاتفاقات وقف النار وللمبادرات، لتعود الكرة، في كل مرة، إلى المربع الأول؛ بحيث تستمر الدوامة في دورتها، التي لم تنتج ولن تنتج، غير جولة جديدة من التصعيد والتأزيم الذي يتخذ أشكالاً عدة ؛ تصب جميعها في تعرية الأوضاع واستطراداً في وقوعها أو ترشيحها للوقوع، فريسة لمشاريع الكبار وتعريض المنطقة بالتالي للمزيد من الأخطار. هل يدرك المعنيون إلى أين هم ذاهبون أم أنهم قد أدمنوا هذا الخيار؟