لم تكن زيارة الجنرال »غارنر« أول حاكم عسكري أميركي لبلد محتل في القرن الواحد والعشرين، إلى كردستان، تعني بالنسبة للولايات المتحدة إيذانا ببدء مشروع الدولة الكردية، بل كان ذلك في إطار البدء في تفحص أوراق اللعبة العراقية في عين المكان، والتلويح بها للقوى الداخلية والإقليمية المجاورة بأن الولايات المتحدة تمتلك أوراقا كثيرة كلها تصلح كمتغيرات تابعة لاستراتيجيتها ومؤثرة في مصالح الآخرين .
لم يكن تفعيل الورقة العرقية الكردية هو التوظيف الأفضل بالنسبة للاستراتيجية الأميركية اذا ما ارادت ان تحتفظ بالعراق كاملا، بل التلويح بها فقط هو الذي يعطى لهذه الورقة قيمتها الفعلية في إطار لعبة الاوراق العراقية،
فالعرقية كانت ورقة ضغط داخلية ضد العرب العراقيين في حالة الفشل في إذكاء التنافس الطائفي بينهم، فالطائفية، هي الورقة الأهم بالنسبة للولايات المتحدة لأنها لم تكن جاهزة مكتملة الشروط كخيار قابل للتلويح والمساومة به في مواجهة الآخرين،
لأنها لم تكن قبل الغزو والاحتلال موضوعا جديا يصلح للفرز والتقسيم ولعلها كانت تعبيرا عن ضرورة تقاسم السلطة وليس عن ضرورة تقسيم العراق، ولهذا فقد انصب المجهود الاستخباراتي والإعلامي الأميركي على إذكاء الطائفية قبل وأثناء الغزو وذلك لتحقيق عدة إغراض منها :
1ــــ إنجاح العمليات العسكرية وتقصير أمدها عن طريق تحييد جزء من الشعب العراقي تجاه الغزو، ولذا فأنه عندما تعثرت العمليات العسكرية أمام مدينة البصرة في الأيام الأولى للغزو، أخذت القيادات السياسية لبلدان الغزو تعلن عن أسفها عن عدم مساندة الأحداث التي جرت في هذه المدينة أبان حرب الخليج الثانية وذلك لتصوير المقاومة ضد الغزو بأنها فقط بسبب عدم ثقة الشيعة في نوايا الغرب، وليست تعبيرا عن رفض مبدأ الغزو والاحتلال .
2ــــ الإيحاء بأن الغزو ليس فقط من اجل تحرير العراق من ربقة نظام دكتاتوري يملك أسلحة دمار شامل وإحلال نظام ديمقراطي بدله، بل أيضا من اجل تحرير طائفة تعاني من تسلط طائفة أخرى وحان الوقت لتأخذ حقها كاملا وتنتهي معاناتها بمجرد ان تنتهي المعركة العسكرية بين فرسان الديمقراطية وفلول جيش الطاغية، التي تتخذ من مدن وقرى الشيعة دروعا بشرية تحتمي خلفها .
كان التحريض الطائفي وتغذية المشاعر الطائفية، هي السياسة التي اعتمدتها الإدارة الأميركية قبل وصبيحة الغزو وذلك على أساس انها ورقة كغيرها من الأوراق التي تتحكم في كيفية توظيفها، فتستطيع ان تلوح بها، كما تستطيع ان تحدد شروط وتداعيات تفعيلها أو تجميدها اذا شاءت،
ولهذا فقد شجعت منذ البداية اللغة السياسية الطائفية وعاضدت الاتجاهات المذهبية من خلال تبني منطق المحاصة الطائفية على مستوى المؤسسات السياسية التي صنعتها وأرغمت منظمة الأمم المتحدة على تبنيها ومباركتها وذلك بقصد شرعنة الاحتلال وما ترتب عليه من نتائج، غير أن التعامل مع الطائفية باعتبارها ورقة مثلها مثل الورقة العرقية يمكن التحكم فيها والسيطرة عليها، كانت قراءة خاطئة للواقع من عدة وجوه:
أولا – إن الولايات المتحدة كانت هي الفاعل الوحيد الذي يستطيع أن يفعل أو يجمد الورقة العرقية الكردية وليس هناك فاعلون آخرون يتعاطفون أو لهم مصالح في تفعيل هذه الورقة بالتالي فقد كانت مفاتيح هذه اللعبة في يد الولايات المتحدة وحدها، بعكس الورقة الطائفية التي يمكن أن يستولي عليها منها لاعبون كثر، فالمنطقة المحيطة بالعراق كلها شيعية أو سنية بالتالي فإن تفعيلها لا يمثل ضررا محضا لكل القوى الإقليمية بعكس الحال بالنسبة للورقة العرقية.
ثانيا – ليست الطائفية مجرد لعبة صغيرة تحتفظ الولايات المتحدة بكل خيوطها داخل حيز جغرافي محدود تحت سيطرة آلتها العسكرية، بل هي مارد مخيف يتغذى على الدين والأساطير والجهل والأمية ودكتاتورية الحكام عبر القرون،
ولهذا فإن أي تلاعب بهذه الورقة بقصد توظيفها سياسيا لا يمكن حصر التفاعلات الناتجة عنه في حيز جغرافي محدد، بل تمتد تداعيات زلزالها عبر تضاريس الجغرافيا السياسية لمنطقة بقدر ما تمثل احد أهم مفاصل عصب المصالح الأميركية في العالم، بقدر ما تتميز به من هشاشة في أوضاعها الجيو ــــ سياسية المقدودة على مقاييس مصالح الغرب، أكثر منها انعكاسا لحقائق اجتماعية سياسية راسخة الجذور في الجغرافيا والتاريخ،
ولهذا لا يمكن حصر الأضرار التي تصيب مصالح الغرب بسبب التلاعب بهذه الورقة ولا التكهن بحجم التغيرات الجيو سياسية التي تخرج من رحم العنف المصاحب لذلك .
لعله لم يكن ينقص الولايات المتحدة من كان يسدى إليها النصائح ولاسيما أتباعها الكثر، بعدم تبني الأطروحة الطائفية كورقة سياسية داعمة لمصالحها في العراق، غير أن نشوة النصر كثيرا ما تحجب عن ناظري المنتصر الكثير من حقائق الواقع المهزوم،
وهو على الأغلب عين ما حدث للولايات المتحدة الأميركية صبيحة احتلال العراق، فقد خيل إليها بأن لا شيء مستحيلا أمام قوتها فبإمكانها أن تصيغ الواقع العراقي كما تشاء وان تتلاعب بكل المتغيرات دون أن تخرج عن سيطرتها أو تتصادم مع مصالحها، بل تستطيع أن تمدها إلى بعض أجزاء المنطقة،
إذا ما تطلبت مصالحها ضرورة إعادة تفكيك بعض كيانات سايكس بيكو الهزيلة، فالقوتان البريطانية والفرنسية، اللتان صنعتا دون عناء هذه الكيانات ــــ منذ قرن مضى ــــ لا يساويان قلامة ظفر مقارنة بالقوة الكونية الأميركية التي لا تغيب عنها الشمس في الأرض ولا أقمار المجرات الفضائية.
كاتب ليبي ـــــ جامعة بنغازي
