أم سعد تلك الشخصية الروائية الكارزمية التي أبدعها الراحل غسان كنفاني في أحد أعماله الأدبية، لا تغيب عن الذاكرة أبداً ولا تحجبها لا السنين ولا الجغرافيا وملاحظتها الشهيرة تصم الآذان وتعمي العيون أو ربما تفتحها على إحدى أشد الحقائق قساوة التي يعيشها الإنسان الفلسطيني اللاجئ في الشتات عن الوطن وفي الوطن نفسه.
تلك الملاحظة تقول: »خيمة عن خيمة تفرق«، جزاك الله كل خير يا أم سعد وبارك رحمك وعقلك اللذين تفتقا عن عنصري الوجود الفلسطيني الأساسيين: البقاء والوعي. العنصر الأول ينم عن حقيقة وجود هذا المارد في تنوع جغرافي فرض عليه فرضاً، والعنصر الثاني يدل على وعي لا يخيب أمل صاحبه مطلقاً ويتعلق بوعي الواقع المعاش من قبل مجموع الفلسطينيين في شتى بقاع الأرض.
فبينما المقصود بخيمة أم سعد الأولى خيمة اللاجئ التي وزعتها »مشكورة« وكالة الأونروا والتي تعبر عن النكسة، فإن خيمة أم سعد الثانية هي خيمة المقاومة التي حاكتها تلك الأم ومثيلاتها من أمهات فلسطين برموش عيونهن لأبنائهن من الفدائيين.
ولكن يا أم سعد وأنت الحاضرة في قلوبنا قبل عقولنا، لماذا لم تأت على ذكر فروقات أخرى تمتثل الآن حقيقة ساطعة في الوطن المغتصب والشتات المستباح على حد سواء.
لماذا لم تذكرينا بأن هناك فرقاً كبيراً بين بندقية وبندقية حين توجه الأولى إلى صدر العدو والأخرى تنتهك حرمة الساحة الداخلية المقدسة. وماذا عن ذوي الياقات البيض يا أم سعد، الذين يتاجرون بدماء أبنائك وأحفادك ولا هم لهم سوى إرضاء محتل غاصب تحت حجج وذرائع باتت مكشوفة أمام الجميع.
مدي يدك يا أم سعد ومرريها فوق رؤوسنا علنا نصحو قليلاً من غفوة طال أمدها ونرى حقيقة ما يجري على الأرض، هناك حيث تجلجل قهقهات المحتل وهو يتفرج على صراعنا يحتدم يوماً بعد آخر منذراً بحرب أهلية طاحنة ربما تأتي على ما تبقى من يباس بعد أن أكل المحتل كل الخضار وشرب.
مدي حنو أناملك الخشنة ومرريها على أعيننا علها ترفع عنها غمامة سوداء حجبت الرؤية عن كثيرين وحرفتهم عن ما خطتيه لنا من مسار, آملين بأن يوصلنا إلى تحقيق بعض من أهداف وطنية مشروعة باتت بعيدة المنال في ظل الاحتراب الداخلي وطغيان المصالح الفئوية الضيقة.
أما إذا خطر ببالك وسألت عن سبب نذر الشؤم هذه، فإننا إذا تجاوزنا خجلنا وكنا قادرين أصلاً على الإجابة، نقول لك إنها السلطة يا أم سعد، سلطة أعدها العدو شركاً لنا وها نحن نقع فيه وها هي القطة راحت تأكل أبناءها كما يقولون وإن لم تنهضي يا أمنا من رقادك وتمدينا بتلك اليد الحكيمة، فلربما تكون النهاية وربما لا تقوم لنا قيامة إلا بعد حين وربما تذهب تضحياتك أدراج الرياح بعد أن استثمرها المستثمرون وعلقها الطفيليون وشربها الخونة.
نحن على يقين يا أم سعد بأنك كنت ستضمين صوتك إلى صوت أبو اللطف، الذي قال إثر آخر مشهد من مشاهد الاحتراب الداخلي في الأرض المحتلة والذي كانت ساحته معبر رفح إنه ليس هناك من مسوغ لإجراء انتخابات فلسطينية مبكرة لأن هناك انتخابات ديمقراطية سليمة جرت منذ عام فقط وإن الحل يكمن في تخلي أحد الطرفين عن السلطة أو بالأحرى في تخلي كلا الطرفين عن تلك السلطة لأننا لسنا بحاجة إلى أي سلطة.
تعالي إلينا الآن يا أم سعد فالكل قد رحلوا وتخلوا عنا ولم يعد لا الفلسطيني الصامد على أرض الوطن ولا الفلسطيني الصامد على أرض الشتات في مأمن من غدر القريب فكيف له أن يتصدى لهجمات العدو المتلاحقة وها هي أرض الرافدين تفاجئنا، على سبيل المثال، بأن أفظع الأيام ينتظر الشعب الفلسطيني، على فظاعة ما يتعرض له منذ ستين عاماً، آت في الأفق الحالك البعيد، فلقد ضاقت عيون أبناء العراق أو طائفة منهم على الأقل بوجود بضعة آلاف من اللاجئين الفلسطينيين، الذين هجروا قصراً عن أرضهم وممتلكاتهم ولجأوا إلى ما يفترض أنها أرض شقيقة، على أرض العروبة والإسلام وراحوا ينكلون بهم ويقتلونهم مطالبين إياهم بالرحيل.
لكن إلى أين الرحيل يا أمنا بعد كل هذا المنفى الممتد على طول الأرض وعرضها بلا هوادة منذ عشرات السنين وكيف السبيل إلى ذلك الرحيل ولقد سدت الدروب وأحكمت الأقفال ولم يعد أمام الفلسطيني سوى البقاء تحت رحمة أشقاء ضاقت بهم أزماتهم حتى باتوا بأمس الحاجة إلى تصديرها إلى ساحتنا الفلسطينية الداخلية علهم يجدون بذلك ذريعة لاستمرار بقائهم على قيد الحياة.
يبدو يا أم سعد أن درس الفروقات لا ينتهي لكن الثابت الوحيد والخيط الناظم لكل فروقات الأرض هو شلال الدم الفلسطيني النازف في كل الجبهات وعلى جميع الأصعدة بعيداً عن محددات المكان والزمان المعتادة في لمسة سوريالية تتماثل وطبيعة عنقاء فلسطين الخارجة لا محالة من وحل رملها أحمر اللون.