الجنرال ديغول هو مؤسس السياسة العربية لفرنسا. وهذه السياسة القائمة على بعد نظر استراتيجي وحس تاريخي عالي المستوى تراعي مصالح بلاده بالطبع ولكنها لا تخلو من الاعتبارات الاخلاقية التي كان يتمتع بها قائد فرنسا الحرة.

وهذه السياسة لم تكن معادية لليهود بشكل مسبق كما زعم غلاة الصهاينة وانما كانت متوازنة تأخذ الحقوق الفلسطينية والعربية على محمل الجد. بمعنى آخر فإن مفهوم الحق والعدل كان له معنى بالنسبة للجنرال ديغول وذلك على عكس ما نشهده حاليا لدى الذين يدعون الانتساب إليه ويقودون الحزب الديغولي من أمثال نقولا ساركوزي أو دوفيليبان أو حتى جاك شيراك. فهؤلاء انضموا إلى المخطط الأميركي الإسرائيلي وخانوا ميراث الجنرال ديغول العظيم. فما هو السبب يا ترى؟

قبل أن أجيب عن هذا السؤال سوف أتوقف قليلا عند الخلفية الثقافية للجنرال ديغول وعن رأيه بكل من العرب واليهود. ينبغي العلم بأن ديغول كان ينتمي إلى التيار الكاثوليكي الغالب في فرنسا ولكنه لم يكن ضد النظام الجمهوري الذي تولد عن الثورة الفرنسية كما حصل لبعض الرجعيين وتيار اليمين المتطرف.

وإنما كان مع الحداثة السياسية الديمقراطية ويلخص في شخصه كل الأمجاد القومية الفرنسية ويعتبر نفسه فوق اليمين واليسار على حد سواء.

وربما كان السياسي الوحيد الذي استطاع آن يفعل ذلك. ولذا فقد كان آخر سياسي فرنسي يجسد كل مكونات فرنسا في شخصه. بعده انتقلنا من مرحلة الأبطال التاريخيين إلى مرحلة السياسيين العاديين. وكان يتمتع بثقافة تاريخية وفلسفية بل وحتى ادبية شعرية واسعة جدا. وكثيرا ما كان يستشهد ببيرغسون أو فيكتور هيغو أو شاتو بريان أو حتى نيتشه..وكثيرا ما كانوا يسمعونه يتغنى بهذا المقطع الشعري أو ذاك.

وكان يحب المشي كثيرا في الغابات المحيطة بقريته قبل ان يتخذ قراراته السياسية الهامة. فالمشي كان يساعده على التفكير وتقليب الأمور من كافة جوانبها قبل أن يحسم الأمر. وكثيرا ما كان يطلب من ابنه الاميرال فيليب ديغول ان يرافقه في هذه الجولات الطويلة العريضة. وابنه يشبهه تماما من الناحية الشكلية حتى لكأنه بصقه بصقا كما يقول المثل العامي..

وهو لايزال حيا حتى الان وقد بلغ الخامسة والثمانين من العمر. وعندما يظهر على شاشة التلفزيون تكاد تتخيل وكأن ديغول بعث من قبره فجأة. وقد سأله احد الصحافيين مرة: يقال بأن والدك كان يكره العرب ويحتقرهم فهل هذا صحيح؟ فرد عليه فيليب ديغول قائلا: هل تعلم من الذي روج هذه الاشاعة؟

انهم اولئك الذين يستمدون معلوماتهم من الارشيفات الدبلوماسية الاسرائيلية..على العكس كان والدي معجبا جدا بالعرب. واتذكر اني عندما كنت طفلا صغيرا كان يتحدث لي بكل حماسة عن شجاعتهم عبر التاريخ وبالاخص عن فتوحاتهم الكبرى التي اكتسحت بلاد المغرب واسبانيا بل ووصلت الى جنوب فرنسا. وكان يروي لي حكايات الف ليلة وليلة وشهرزاد والفانوس السحري والأمجاد الاموية والعباسية.

ولكن ماذا عن اليهود؟ هنا ايضا يقول فيليب ديغول بأن والده كان معجبا باليهود كشعب عانى على مدار التاريخ ولكنه كان يكره السياسة الاسرائيلية ويعتبرها قصيرة النظر ولا تفكر بمصلحة اليهود على المدى البعيد.

كان يقول بأن اليهود اذكى شعب على وجه الارض. وعندما كانوا يذكرون امامه اسماء من نوع: سبينوزا أو ماركس أو انشتاين أو فرويد أو سواهم كان يصرخ قائلا: ليس غريبا انهم عباقرة ، انهم يهود..ولكنه كان يضيف قائلا: هناك شئ واحد فاشلون فيه هو السياسة.

فعلى مدار تاريخهم كانوا ينتهون الى الكارثة كلما حاولوا ان يشتغلوا في السياسة ، وذلك عائد الى تعصبهم..يحصل ذلك كما لو انهم يحبون الانتحار أو بالاحرى الانتحار الذاتي.

لكن لماذا اشتعلت المعارك بينه وبينهم؟ لانه عندما وصل الى السلطة عام 1958وجد عملاء اسرائيل وقد تغلغلوا في كل مكاتب وزارة الدفاع ورئاسة الاركان الفرنسية. وهاله الامر. فأمر بطردهم فورا وقال: الفرنسيون وحدهم لهم الحق في دخول هذه المكاتب الحساسة التي يتوقف عليها مصير البلاد.

فهل يسمح الاسرائيليون بأن يدخل الضباط الفرنسيون الى وزارة الدفاع الاسرائيلية ويحتلوا مكاتب شبه رسمية فيها؟ وكل ذلك حصل بسبب العلاقات الوثيقة التي كانت قائمة بين السيئ الذكر غي موليه وحزبه الاشتراكي وبين حزب العمال الاسرائيلي.

ثم تفاقم الكره بين ديغول ويهود فرنسا بعد حرب 1967 لانهم خدعوه. ومعلوم انه استقبل وزير خارجية اسرائيل ابا ايبان قبيل اندلاع الحرب وقال له بالحرف الواحد: اياكم ان تشنوا حربا استباقية على العرب. اني اعرف انكم ستربحونها وبسرعة.ولكن نتائجها البعيدة المدى سوف تكون وخيمة عليكم.

وسوف تتحولون الى جزيرة معزولة محاطة ببحر من العرب الذين يكرهونكم حتى الموت .فهل هذه مصلحتكم؟ هل هذا ما تريدون؟ فكروا في المستقبل ياابا ايبان وحاولوا ان تتصالحوا مع العرب لا ان تحتلوا اراضيهم من جديد وتزيدوا حقدهم حقدا.

واعتقد ديغول ان كلامه وصل الى القيادة الاسرائيلية وسوف تأخذه بعين الاعتبار ثم فوجئ بالحرب وجن جنونه. وبعدئذ عقد مؤتمرا صحافيا في باريس قال فيه بأن اليهود شعب نخبوي واثق من نفسه وميال الى الهيمنة. فشنوا عليه حربا اعلامية هائجة في الصحافة الفرنسية التي يسيطرون على قسم كبير منها.

ويقول الاميرال فيليب ديغول بانه بدءا من تلك اللحظة راحت المخابرات الاميركية والانجليزية والاسرائيلية تخطط لزعزعة استقرار فرنسا والاطاحة بديغول. ولولا هيبته التاريخية الكبرى لربما كانوا قد اغتالوه.

ثم استقبل ديغول في قصر الاليزيه الحاخام الاكبر جاكوب قبلان الذي كان قد شارك في الحملة الاعلامية الشرسة عليه وقال له: يا فضيلة الحاخام ان تعاطفنا مع اليهود مؤكد وواضح ونحن لا نتمنى لهم الا الخير. ولكن لا ينبغي على يهود فرنسا ان يشعروا بأنهم اسرائيليون أكثر مما هم فرنسيون.

ان حماستهم الشديدة لدولة اسرائيل شيء مبالغ فيه وغير مقبول على الإطلاق. فرد عليه الحاخام قائلا: يا فخامة الرئيس ان هذا الموقف لا يعني ان ولاءهم مزدوج أو انهم لا يحبون فرنسا. فهم فرنسيون بالكامل.

يعلق فيليب ديغول على هذه القصة قائلا: بعد ان ترك والدي قصر الاليزيه بفترة من الزمن مشينا مشوارا طويلا في الطبيعة وقال لي لا أكتمك باني لم اصدق كلام الحاخام بعد ان خرج من عندي وبقيت لدي شكوك كبيرة حول ولاء اليهود أو قسم كبير منهم على الأقل لفرنسا.

هذه هي باختصار شديد قصة الجنرال ديغول مع اليهود الذين اقضوا مضجعه في أواخر أيامه بل وحاولوا إهانته وهو العزيز الأبي الذي لا يهان. فديغول هو احد اهم خمس أو ست شخصيات كبرى في تاريخ فرنسا المليء بالشخصيات والأمجاد. ولا يوازيه من حيث العظمة الا جان دارك وهنري الرابع ولويس الرابع عشر ونابليون بونابرت وربما كليمنصو. ومع ذلك فقد حاولوا اهانته أو التطاول عليه.

وفي الختام نطرح هذا السؤال: لماذا تراجع خط ديغول مؤخرا في فرنسا؟ أو بالاحرى لماذا انتصر عليه(ظاهريا على الاقل) غلاة اليهود بعد موته؟ لان أميركا أصبحت القوة العظمى الوحيدة في العالم ولان العرب تفرقوا وانقسموا وفشلوا في مواجهة اسرائيل.

لهذا السبب اصبحت الطبقة السياسية الفرنسية تزاود على بعضها البعض في محبة اسرائيل والاستخفاف بالعرب. فلا احد يقف مع الضعيف وانما كل الناس مع القوي. انظر موقف ساركوزي المفترض انه يتزعم الحزب الديغولي أو ما تبقى منه..فقد اصبح بوشيا اطلسيا أكثر من بوش نفسه.

ولكن هذا لا يعني ان موقف الجنرال ديغول كان خاطئا، على العكس. فهو موقف الرجل العظيم والحكيم الذي يرى الى بعيد البعيد. وسوف يتذكر غلاة الصهاينة كلامه يوما ما لان الدهر دوار.

كاتب سوري ـــ باريس