إلى أي مدى ينبغي على الحكومة السودانية أن تأخذ مأخذ الجد التهديد الأميركي البريطاني باتخاذ إجراءات عقابية ضد السودان, أبرزها فرض حظر جوي فوق أراضي دارفور وحصار بحري على السودان إجمالاً؟
علينا أولاً أن ندقق في العبارات اللفظية الواردة في هذا السياق في تصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية شون ماكورماك، فقد انتقاها بأعلى درجات الحذر الدبلوماسي.
وفقاً للمتحدث فإن الولايات المتحدة وبريطانيا »تفكران« في الأمر. وبعد أن أشار إلى أن المبادرة جاءت من توني بلير خلال اجتماع مع الرئيس بوش قال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن رئيس الحكومة البريطانية عرض الأمر كــ»فكرة«.
بماذا توحي هذه النغمة المشبعة بالحذر؟
من الواضح أولاً أن الأمر لا يبلغ مستوى قرار مبدئي، فهو محصور في دائرة تفاكر.
ولا يتسنى لنا أن نفترض هذا التفاكر مقدمة يتوصل بعدها الرئيس الأميركي وحليفه رئيس الوزراء البريطاني إلى قرار حاسم لاحقاً, يقضي بمعاقبة السودان على النحو المذكور، فبينما يقول المتحدث باسم الخارجية الأميركية »إن جهودنا تتركز حالياً على الوسائل الدبلوماسية«، فهو يقول أيضاً إنه في حال تصلب الحكومة السودانية في إصرارها على رفض دخول قوات »دولية« إلى إقليم دارفور, فإن النظر في خيارات أخرى (الإجراءات العقابية الصارمة مثلاً) سيكون من شأن »الأسرة الدولية« ــ أي ليس من شأن واشنطن ولندن وحدهما.
إذن على الولايات المتحدة وبريطانيا أن تتوقعا مجدداً معركة دبلوماسية حامية الوطيس على صعيد مجلس الأمن الدولي إذا تقدمتا إلى المجلس فعلاً بمشروع قرار ينص على فرض حظر جوي وبحري على السودان ضمن إجراءات عقابية أخرى، وكما جرى في السابق فإن الصين ستكون رأس رمح المعارضة مسلحة بحق الفيتو.
في هذه الحالة سوف تبلغ المعركة الدبلوماسية منتهاها، إما إلى مشروع قرار رمزي أفرغ من محتواه بناء على تعديلات صينية (وربما روسية أيضاً) تدخل على صياغته الأميركية البريطانية أو تفضل الحكومتان الأميركية والبريطانية سحب المشروع جملة وتفصيلاً اتقاء لهزيمة حتمية.
وفي كل الأحوال لا ندري ما هي الحجة التي سوف تستند إليها الإدارة الأميركية والحكومة البريطانية لتبرير معاقبة السودان.
ستقولان إن الحكومة السودانية باتت جديرة بعقاب لإصرارها على رفض استقبال قوات دولية بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1706، لكن المعارضة داخل المجلس ستقول إن السودان لم يرتكب خرقاً لهذا القرار الدولي، ذلك أن نص القرار يرهن إرسال القوات الدولية إلى موافقة مسبقة من الحكومة السودانية، والحكومة لم توافق!
ويبقى تساؤل أخير: في حال خسرانها معركة مجلس الأمن الدولي هل تلجأ الولايات المتحدة إلى التصرف على نحو أحادي ضد السودان بفرض حظر جوي وحصار بحري؟
في ظل هزيمة ساحقة وتورط ماحق في العراق وفشل عسكري يتنامى يومياً في أفغانستان مع فشل سياسي في لبنان فإن إدارة بوش باتت ــ على خلفية تقرير بيكر ــ هاملتون وتداعياته السالبة ــ مصابة بحالة حادة من الوهن الدبلوماسي مما يجعل دخولها في مغامرة جديدة أمراً مستبعداً.