تعتبر روسيا الاتحادية من الدول الضالعة بخفايا الأحداث ودهاليز المنطقة العربية، ربما أكثر من أية دولة أوروبية أخرى، ولاسيما على مستوى سياسييها. وتعتبر موسكو الأكثر إخلاصاً للدول العربية في فترة المؤامرات الاستعمارية التي رُسمت للمنطقة العربية في بدايات القرن العشرين، حيث كان الاتحاد السوفييتي السابق، أول من كشف الأقنعة عن تلك الاتفاقيات، ورفض الاعتراف بحقوق الانتداب التي أفضت إليها تلك الاتفاقيات.
شكلت روسيا تاريخياً وعلى مدى أكثر من 60 عاماً حليفاً استراتيجياً مناصراً للقضايا العربية، مؤكدةً على أن السلام العادل والشامل، يعتمد على إعادة الأراضي المحتلة. وقد كانت روسيا أحد راعيي عملية السلام في الشرق الأوسط ضمن مؤتمر مدريد.
لقاء الرئيس السوري بشار الأسد، بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين المرتقب في موسكو للمرة الثانية، يؤكد أن العلاقات بين الدولتين في تحسن بصورة ملحوظة. ومع ذلك فإن الرئيس فلاديمير بوتين يبتعد تماماً عن إظهار أي تراجع جدي في العلاقات الروسية الإسرائيلية، ويسعى للإبقاء على علاقات وثيقة مع كل من إسرائيل وسوريا في آن واحد.
والأكثر من ذلك أنه نجح في تحقيق هذا التوازن الدقيق. على ضوء هذا، فإن التحسن المفاجئ في العلاقات بين موسكو ودمشق يبدو وكأنه يمثل تهديداً للعلاقات مع إسرائيل. والذي يعبر عنه السياسيون والمحللون الإسرائيليون عن انزعاجهم بصورة خاصة تجاه بوتين.
وذلك قبل وصول الرئيس السوري إلى العاصمة الروسية. لكن التطورات الأخيرة في العلاقات بين الدولتين على ما يبدو تشكل دلالة على وجود تحالف قوي بين موسكو ودمشق، وعلاقة على مستوى رفيع. في الحقيقة السؤال المطروح حول تلك التطورات في العلاقات الروسية السورية هو هل هناك فائدة من هذه التطورات سواء بالنسبة لسوريا، أو، لروسيا؟
في بداية رئاسته، لم يكن بوتين يملك لديه أي حافز لتطوير العلاقات مع دمشق، لكن الاحتلال الأميركي في العراق، والأكثر منه ضغوط المحافظين الجدد على سوريا، وعزلها. عزز من إحساس موسكو بفقدان حليف استراتيجي لها، مما يزيد رغبتها في تقوية علاقتها مع دمشق. وفي هذه الظروف بالذات لزيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى موسكو.
ما الذي سينتج عن هذه الزيارة؟. وبهذا الخصوص فهناك قلة من الناس يمكن أن تساورهم الشكوك في مصلحة روسيا بإقامة علاقات طيبة مع الإدارة الأميركية ولكن بحذر. لكن كما يقال، فإن مبادئ الكي جي بي عند بوتين أعز.
إن ما يثبت ضمان علاقات الشراكة بين سوريا وروسيا، هو الاتفاق على أن: التعاون العسكري التكنيكي مع روسيا، لا يقتصر على الصفقات مع دمشق لمرة واحدة. ولكن لتواصل روسيا بعد ذلك تنفيذ صفقات أخرى، بالرغم من التهديد بحرمانها من صفقات أخرى مربحة من بعض الدول. وتتردد مثل هذه التهديدات لروسيا.
وهنا أيضا يمكن القول بأن مبادئ الكي جي بي أعز. العلاقة بين موسكو ودمشق تتسم بأهمية ايجابية بالنسبة إلى استقرار الوضع في المنطقة أيضا.
وقد تجلى ذلك حين عملت موسكو ودمشق الكثير معا من أجل تطبيع الوضع في لبنان. واعتقد أنه تتوفر أيضا قدرة كبيرة غير مستثمرة بعد من أجل قيام روسيا وسوريا بخطوات مشتركة في مجال التسوية العادلة لازمة الشرق الأوسط.
وبذلك إن زيارة الرئيس السوري التي سيقوم بها في الأيام المقبلة إلى موسكو، تظهر ثبات السياسة السورية، ومن جانب آخر تؤكد على أن التعاون بين موسكو ودمشق ليس موجها ولا يمكن أن يكون موجها ضد أي طرف آخر. فهو يتم لصالح الدولتين، كما أنه يسفر عن تعزيز الاستقرار في المنطقة بشكل خاص، وكذلك في العالم عموما.
من جهة أخرى. تزداد خصوصية هذا اللقاء، إضافة إلى أهمية النتائج المرتقبة أنه يأتي في ظل الظروف الصعبة التي تواجهها الإدارة الأميركية في سياق تعاملها مع الملفات الثلاثة اللبناني والفلسطيني والعراقي، وانعكاسات تلك الملفات وإشكالات المنطقة على علاقات واشنطن مع حلفائها، أو، المناهضين لسياستها ثانياً، وحاجة الإدارة الأميركية إلى تهدئة ما في مناطق التوتر الراهنة، قبيل الانتخابات الرئاسية الأميركية ثالثاً.