قبل أن يعرف العالم يوم 11 سبتمبر 2001 كيوم الهجمات الإرهابية في نيويورك وواشنطن عرف 11 سبتمبر 1973 كيوم أسود انقضت فيه قوى الثورة المضادة في تشيلي مدعومة من أجهزة المخابرات المركزية الأميركية وممولة من قبل شركة الاتصالات المتعددة الجنسية AT&T في انقلاب مسلح ضد الرئيس الاشتراكي سلفادور أليندي الذي وصل إلى السلطة سلمياً عن طريق انتخابات ديمقراطية. نفذت هذا الانقلاب الطغمة العسكرية التشيلية بقيادة الجنرال أوغستو بينوشيه الذي حكم البلاد بالحديد والنار حتى عام 1990.

في 25 نوفمبر الماضي احتفل دكتاتور تشيلي السابق بعيد ميلاده الواحد والتسعين وقال أمام ضيوفه انه يتحمل المسؤولية السياسية عما ارتكبته حكومته من أعمال في سنوات الحكم الدكتاتوري. وقالت عائلته إنه لم يعد الآن يحمل حقداً على أحد. أما هو فلم يعتذر من أحد. وبعد أسبوعين، في اليوم العالمي للدفاع عن حقوق الإنسان، 10 ديسمبر 2006، حزم الدكتاتور جرائمه بحق تشيلي والتشيليين ورحل عن الحياة. كان هذا اليوم أيضاً هو عيد الميلاد الرابع والثمانين لزوجته لوسيا إيريارت التي لم تسمح للأطباء بإجراء عملية خطيرة له في القلب.

عشت مع أصدقائنا التشيليين والأميركيين اللاتينيين مرارة تلك الأيام ونحن على مقاعد الدراسة الجامعية. ولئن نسيت فلن أنسى صوت الرئيس الاشتراكي التشيلي سلفادور أليندي ينساب من المذياع مع الترجمة يقول انه يتحدث محاصراً في قصر الرئاسة في سانتياغو، وان قصفاً مركزاً من الدبابات ينهال فوق القصر. أكد أليندي إصراره على وفائه واستعداده للتضحية من أجل المبادئ والقيم التي وصل على أساسها إلى الحكم.

بعدها سمع العالم خبر سقوط أليندي قتيلاً في الموقع. ومعه سقط حكم الاشتراكيين وجرحت آمال ملايين التشيليين في المستقبل الديمقراطي والاستقلال الحقيقي والحياة الكريمة. ثم توالت الأنباء عن إعدام قرابة 30 ألف شخص من الذين اكتظت بهم السجون ومعسكرات الاعتقال التي كان أشهرها استاد سانتياغو الرياضي.

إليانا، عرفتها جيداً.. فاتنة الجمال، حادة الذكاء ومتوقدة الحماس.. مناضلة في الشبيبة الشيوعية التشيلية.. هي ومثلها كثيرون قضوا رمياً بالرصاص في معسكرات الموت. هشمت عظيمات يدي المغني التشيلي فيكتور غارا، وبهذا الانقلاب قتل شاعر تشيلي العظيم بابلو نيرودا الذي أطعم من على راحة يديه كل حمامات العالم.

تشرد آلاف التشيليين إلى شتات العالم، بينهم رئيسة تشيلي الحالية ميشيل باتشيليه. وفي المنافي شغل التشيليون القلم والقيثارة والزي الأسود في فضح جرائم نظام الطغمة العسكرية، وساندتهم في تلك الحملات كل الأحزاب التقدمية ومنظمات شبيبة وطلبة العالم.

ها هو تاريخ تشيلي يسير الآن تماماً بعكس ما أراد لها دكتاتورها السابق الذي بعد وصوله إلى السلطة قال جملته الشهيرة بأنه مستعد لأن يبحث مع الشعب التشيلي كل شيء عدا أمرين: القيم الكاثوليكية وحق الملكية الخاصة المقدس. الواقع الآن هو أن التي تقود بلاد الكاثوليكية التقليدية الصارمة هي العلمانية ميشيل باتشيليه كأول رئيسة امرأة في تاريخ تشيلي.

أكثر من ذلك فهي أم لثلاثة أطفال من أبوين مختلفين لم تعد ترتبط بأي منهما في بلد لم يجز الطلاق إلا منذ سنتين فقط وتنتهج سلطة يسار الوسط التي تقودها باتشيليه سياسة ليبرالية بأبعاد اجتماعية، وتشيلي هي واحدة من جبهة اليسار المناهض للولايات المتحدة الأميركية، والتي تضم أيضاً فنزويلا والبرازيل والأورغواي والأرجنتين وبوليفيا وأخيراً الأكوادور.

حين اضطر الدكتاتور في النهاية إلى تسليم السلطة إلى حكومة مدنية عام 1990 صك يومها ميدالية حملت عبارة «لقد أنجزت الرسالة». ومع أنه احتفظ لنفسه بقيادة الجيش حتى عام 1998، إلا أن الأمور قد تغيرت لغير صالحه فغادر موقعه كقائد للجيش.

آخر ما تعلق به حصوله على عضوية في مجلس الشيوخ لمدى الحياة كي يتمتع بحصانة ضد تقديمه لمحاكمات يجيب فيها عن جرائمه، لكن الأمور قد تغيرت أكثر فجرد من العضوية والحصانة وحركت ضده في بريطانيا وتشيلي نفسها حوالي 300 قضية تتراوح بين الإبادة الجماعية (الجينوسايد) والاحتيال المالي، ووضع تحت الإقامة الجبرية عدة مرات.

وبعد أن مات وأصبح واضحاً أنه لن يواجه حكماً سوى حكم التاريخ أعربت إيزابيل أليندي، ابنة الرئيس الراحل سلفادور أليندي عن أسفها بأن «بينوشية مات دون أن يسأل عن جرائمه»، ورأت بأن وفاته لا يجب أن تضع نهاية لاستمرار البت في الدعاوى ضده. وهكذا فلم يبق من الرسالة التي «أنجزت» إلا ظلالاً سوداء أسدلها عليها التاريخ.

فور إعلان وفاته زحف آلاف من أهالي ضحاياه إلى ساحة إيطاليا في مركز العاصمة سانتياغو للتعبير عن فرحتهم. ومع ذلك كان هناك من بكاه في الخارج كمارجريت تاتشر التي اعتبرته صديقاً وفياً. وعلى أبواب الكنيسة التابعة لمستشفى سانتياغو العسكري تواجد عدد غير قليل من الراغبين في تقديم آيات الاحترام له، معتبرينه صاحب الإرادة القوية الذي أخرج تشيلي من أزمتها وحقق لها تطوراً اقتصادياً ملحوظاً.

الكاتب الروسي غينريك بورفيك الذي كان من رجال الثقافة من مختلف أنحاء العالم الذين نظموا محكمة للبت في جرائم الطغمة العسكرية التشيلية وحرر وثائق إدانة اعتدت بها المحكمة رداً على الفخورين ب«إنجازات» الدكتاتور بأنهم «يتناسون أن الولايات المتحدة الأميركية تستطيع أن تخفض الأسعار على قصب السكر كما فعلت بعد انتصار الثورة الكوبية، وعلى نترات البوتاسيوم والنحاس كما فعلت بعد فوز سلفادور أليندي، ثم بالعكس، رفعت سعرهما عندما أطيح بأليندي لكي تدعم الاقتصاد التشيلي، وهكذا فليس لبينوشية شخصياً أي دخل مباشر بالازدهار الاقتصادي».

ولأن الشعب التشيلي يعرف ذلك جيداً فقد أجريت لدكتاتور تشيلي السابق مراسم التشييع والدفن كجنرال وقائد سابق للجيش التشيلي لا أكثر. ولم ولن يقدم له أي تكريم من قبل الدولة. هذا ما قالته وفعلته ضحيته ورئيسة تشيلي اليوم ميشيل باتشيليه

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com