وبدأت الانتخابات في الإمارات. أربعمئة وتسعة وثلاثون مرشحا يتنافسون على عشرين كرسيا؛ ثلاثمئة وأربعة وسبعون رجلا وخمس وستون امرأة. ستة آلاف وستمئة وتسعة وثمانون ناخبا يختارون ممثلي إماراتهم العشرين في المجلس الوطني الجديد؛ خمسة آلاف وخمسمئة رجل وألف وستمئة وتسع وثمانون امرأة.

هذا النحو انفض سامر المرشحين بعد انتهاء فترة الدعاية ليبدأوا جني ثمار ما زرعوا وما صرفوا خلال حملاتهم الانتخابية. ليظل السؤال المطروح هو: تُرى من هو المستفيد الأكبر من كل ما شاهدناه وعايشناه على مدى الأيام التي سبقت انطلاق عملية الانتخابات؟ هل هم أولئك المرشحون العشرون الذين سيفوزون، أم هي وسائل الإعلام التي انتعش سوقها الإعلاني خلال الأسبوعين اللذين سبقا بدء الانتخابات؟ أم هو الوطن الذي شهد حراكا غير مسبوق في تاريخه السياسي؟

حسابات بعضها مادي بحت سوف يجد له من يجمع ويطرح ويخرج بمحصلة نهائية تحددها قواعد الربح والخسارة المرتبطة بالسوق، وهي حسابات لن نلتفت إليها لأنها تقزّم الفكرة وتضعها في إطار ضيق يخرجها عن سياقها السليم. وتبقى الحسابات المعنوية هي الأهم لأنها تؤسس لقواعد نحن في أمس الحاجة لها كي نجتاز المرحلة بعد أن نقّيم التجربة بسلبياتها قبل إيجابياتها، ونطورها حتى نصل بها إلى المستوى الذي نريد، والشكل الذي يناسبنا، والدرجة التي تلامس طموحنا وتحقق للوطن الفائدة القصوى منها.

ليس ثمة من ينكر أن هناك تعدداً في الرؤى حول التجربة لأنها جديدة، وأن هذا التعدد يتنوع بين من ينظر إليها بجدية تامة ويتعامل معها على أنها مرحلة أولى ستقود إلى مراحل أكثر تطوراً حتى تقترب من الاكتمال، وبين من يتعاطى معها بشيء من اللامبالاة وعدم الجدية ولا ينتظر منها أن تفرز شيئا مهما على المدى القريب وربما البعيد أيضا من وجهة نظره.

وعلينا إذا أردنا أن نكون موضوعيين أن نتعامل مع وجهتي النظر المتضادتين على حد سواء، خاصة وأن التجربة تتصل بالديمقراطية التي تتطلب حوارا من نوع خاص يصب في خانة الآراء المتعددة وينأى بنفسه عن الرأي أحادي الاتجاه غير القابل للنقض.

فإذا ما اتفقنا على التعامل مع التجربة من هذا المنطلق وجدنا أنفسنا نرصد عدة ظواهر برزت منذ أن بدأ قرار صاحب السمو رئيس الدولة بتنظيم انتخابات لنصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي يأخذ طريقه إلى التنفيذ بإعلان قوائم الهيئات الانتخابية والجدول الزمني للانتخابات. وهي ظواهر اختلفت أيضا وجهات النظر تجاهها، إذ رآها البعض ايجابية بينما رأى البعض الآخر فيها جوانب سلبية تقلل من جدوى التجربة.

لن نتحدث عن الأسس التي تم بناءً عليها اختيار أعضاء الهيئات الانتخابية لأنه موضوع أُشبع نقاشا وجدلا إلى الدرجة التي دفعت البعض إلى القول إنهم لو كانوا ملائكة منزلين من السماء لاختلفنا حولهم كعادة البشر وطبيعتهم التي جُبلوا عليها. لذلك سننتقل إلى الحديث عن الذين رشحوا أنفسهم لخوض هذه الانتخابات وقد بلغ عددهم 439 مرشحا بعد إغلاق باب الترشيح وقبول الانسحابات.

وهو عدد بكل المقاييس ليس كبيراً فقط ولكنه غير متوقع أيضا حتى لدى أولئك الذين وضعوا هذه القوائم كما يقول أحد المسؤولين الذين شاركوا في اختيار أعضاء الهيئة الانتخابية في إحدى الإمارات، إذ كان أقصى ما توقعوه هو ألا يتجاوز عدد مرشحي تلك الإمارة عشرين مرشحا فإذا به يتجاوز المئة، مسجلا أكثر من خمسة أضعاف المتوقع.

الأمر الذي يطرح السؤال عن مدى صحة هذه الظاهرة، والأسباب التي دفعت كل هذا العدد من أعضاء الهيئات الانتخابية إلى الترشح حتى أصبح يتنافس على كل كرسي من الكراسي العشرين اثنان وعشرون مرشحا تقريبا. وهي نسبة لم تصل إليها حتى الانتخابات الحرة المفتوحة في كثير من بلدان العالم ذات الديمقراطيات العريقة والتجارب السياسية الناضجة.

ليس ثمة من يشك في توفر دافع خدمة الوطن لدى الجميع، لكن ثمة دوافع أخرى قد حشدت بالتأكيد كل هذا العدد من المرشحين، وهي دوافع بعضها مشروع إذا ما اقترن بدافع خدمة الوطن، ولكن الدوافع وحدها ليست مسوغا كافيا للترشح إذا لم تقف إلى جانبها الكفاءة وتراكم الخبرة والاستعداد لمنح الكرسي ما يستحقه كي يكون المرشح جديرا به.

ثم تأتي بعد ذلك ظاهرة البرامج الانتخابية الطموحة التي طرحها المرشحون. وهي برامج تنوء بعبء تنفيذها أحزاب وكتل عريضة في دول متقدمة برلمانيا، فأنى لمرشح حديث عهد بالممارسة البرلمانية أن يستطيع تنفيذ كل هذه الوعود التي قطعها على نفسه في مجلس وطني نتحدث عن ضرورة تطوير صلاحياته وتوسيعها وإعطائه دورا تشريعيا غائبا عنه حتى الآن؟

لا نقول هذا من باب تثبيط العزائم، ولكنها دعوة إلى الواقعية التي لاحظ أغلب المهتمين أن المرشحين قد ابتعدوا عنها في سباقهم للفوز بمقاعد المجلس الذي تسعى الحكومة إلى تطوير دوره والانتقال به إلى مرحلة المساهمة في التشريع بعد أن ظل هذا الدور استشاريا منذ إنشائه. وهي الخطوة التالية التي ينتظرها الجميع بعد الانتهاء من الانتخابات لأنه بدونها لا يكون لانتخاب نصف أعضاء المجلس أي معنى.

أما الظاهرة الأكثر لفتا للنظر خلال مرحلة الدعاية فقد كانت عزوف أعضاء الهيئات الانتخابية عن حضور اللقاءات التي نظمها المرشحون لشرح برامجهم إلى الدرجة التي اقتصر معها الحضور في أغلب اللقاءات على المرشحين أنفسهم وعدد قليل كان بعضهم من غير أعضاء الهيئات الانتخابية.

الأمر الذي دعا أحد المرشحين إلى القول إنه يخشى ألا يرى يوم الانتخابات في القاعات سوى المرشحين يصوتون لأنفسهم. وهي مبالغة تنم عن صدمة، وتعتبر مؤشرا لعزوف أعضاء الهيئات الانتخابية عن حضور اللقاءات رغم الصخب الذي رأيناه في إعلانات المرشحين على صفحات الجرائد والمجلات وفي محطات الإذاعة والتلفزيون والبرامج المغرية التي طرحوها.

إذ لم تستطع تلك الإعلانات ولا البرامج أن تغري الجمهور بالحضور مع أن البضاعة التي كانت تروج لها مغرية، بل ومسيلة للعاب أولئك الذين ما فتئوا يجأرون بالشكوى من مشاكل الإسكان والصحة والتعليم والبطالة والديون، والسلسلة الطويلة العريضة من القضايا التي وعد المرشحون بحلها إذا ما وصلوا إلى قاعة المجلس الوطني كي تعود الحياة رغدة هانئة، ولا يعود مذيعو برامج البث المباشر يجدون ما يقدمونه لمستمعيهم.

وإذا كان غياب الجمهور عن اللقاءات مُبَررا فإن غياب بعض المرشحين والمرشحات وعدم تواصلهم مع الجمهور الذي سينتخبهم غير مبرر إطلاقا، إذ كيف سيمثل هؤلاء المرشحون ناخبيهم في المجلس الوطني إذا كانوا لم يحرصوا على التواصل معهم قبل أن يصلوا إلى الكرسي؟

وأخيرا يقول البعض إنه لاحظ أن بعض المرشحين والمرشحات قد عاشوا الدور خلال فترة الحملات الانتخابية وأخذوا يتصرفون ويتحدثون وكأنهم تحت قبة المجلس. ونقول إن هذه أعراض برلمانية نتمنى ألا يشفوا منها وأن تنتقل عدواها إلى الجميع، فأن يكون لدينا أربعمئة وتسعة عشر عضوا يؤدون خارج المجلس الدور الذي سيؤديه زملاؤهم العشرون الذين سيدخلون المجلس هو المكسب الأكبر الذي سنخرج به من هذه الانتخابات بعد أن ينجلي غبار معركتها ويعرف كل فرد مكانه، عندها سيكون الوطن هو الفائز الأكبر حقا.

وتبقى الظاهرة الأكثر وضوحا - كما يرى البعض - أن المعركة الانتخابية على صفحات الجرائد وفي وسائل الإعلام الأخرى كانت أكثر صخبا وسخونة مما هي على أرض الواقع.

ولهؤلاء نقول: إن هذه شهادة لأجهزة الإعلام التي حاولت أن تعطي التجربة ما تستحقه من اهتمام فنجحت في محاولتها بغض النظر عن الجانب الإعلاني الذي استثمر الفرصة خلال الأسبوعين المخصصين للدعاية الانتخابية، وهذا حقه.

ذلك أن تجربة الانتخاب الجزئي لنصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي - مهما اختلفت الآراء حولها - هي تدريب نعتقد أنه كان مفيدا للمرشحين والناخبين على حد سواء، دون أن نغفل بقية المواطنين الذين ينتظرون دورهم في المرحلة المقبلة.

على هذا يجب أن نؤسس ونبني بدلا من أن نحمل معاول الهدم لنجهض التجربة وهي لمّا تزل وليدة في المهد، فالمهود الرحيمة حاضنة جيدة للتجارب الناجحة، وتجربتنا تعيش مخاضها الذي نراه مثيرا، وغدا تكبر وتشب عن الطوق، شأنها شأن كل مشاريعنا التي تطبخ على نار هادئة، في عالم عربي يغلي ويزخر بالتجارب الكثيرة المتعثرة والفاشلة.

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com