اشتعلت الأحداث بين الأشقاء الفلسطينيين، وزادت حدة المأساة مع الصدام المسلح المتبادل بين أنصار فتح وحماس، والذي أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وامتد في رفح وخانيونس واعتداءات على مقر الرئاسة الفلسطينية في غزة، الأمر الذي ينذر بالانزلاق للأسوأ والكارثي الذي يخشاه الجميع.
والمؤسف أن يأتي هذا بعد صدور قرار عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة؛ في أواخر الأسبوع، بالأغلبية يقضي بإنشاء سجل لتدوين الأضرار الناجمة عن تشييد «الجدار الفاصل» في الأراضي الفلسطينية، وثيقة جديدة، تسلط الأضواء على عدوانية هذا المشروع الإسرائيلي وتفضح لا مشروعيته، ولو بصورة خجولة وأيضاً منقوصة. فوقوع الضرر يستتبع عادة تقييمه وتحديد التعويض المتناسب معه. لكن نظام هذا السجل جاء خالياً حتى من الإشارة إلى هذا الجانب؛ المفترض أن يكون متمماً لعملية توثيق الأضرار.
مع ذلك النقطة ليست هنا. هي في الأصل، في النتيجة، فهذا الجدار سبق لمحكمة العدل الدولية أن قضت «بوجوب إزالته»، لأنه يشكل عملاً غير قانوني، لا يقبل التبرير. وعليه فالمطلوب أن يصار إلى اتخاذ الإجراءات الفعّالة التي تكفل امتثال إسرائيل لحكم هذه المحكمة،
كما جاء في كلمة مندوب الإمارات في الأمم المتحدة، عند التصويت على قرار السجل فالجدار ليس عملية فصل بقدر ما هو عملية قضم للأراضي الفلسطينية ومصادرة لها بزعم الدواعي الأمنية. كما أنه أيضاً عملية تمزيق لأراضي الضفة الغربية وتركها أشبه بالجزر المعزولة عن بعضها؛ أو بالكانتونات المحاصرة المضغوطة، بهدف تطفيش الفلسطينيين منها في آخر المطاف؛ بعد جعل حياتهم فيها جحيماً لا يطاق.
من هنا كان حريّاً بالمجتمع الدولي أن يذهب إلى معالجة أساس الأضرار. ولو على سبيل تجديد الدعوة والتذكير بشأن قرار المحكمة الدولية. فهذا الأخير صدر منذ أكثر من سنتين وانتهى إلى الرف؛ شأنه بذلك شأن كافة القرارات الدولية الملزمة لإسرائيل، المظلة الأميركية الواقية تحول دون التنفيذ، وطالما هذا الغطاء متوفر فإن إسرائيل لن تقلق لصدور أي قرار عن الجمعية العمومية للأمم المتحدة؛ أو عن غيرها، لاسيما إذا كان كما جاء قرارها الأخير، بلا أسنان.
لكن كيف يمكننا أن نتوقع صدور قرار أقوى، حتى لا نقول بأنياب وأسنان، وطالما أن الوضع الفلسطيني غارق في صراعاته وتناحراته، المرشحة ـ إذا ما تواصلت ـ ألا تنهكه وتستنزفه إلى آخر نقطة فقط؛ بل أيضاً أن تمعن في تقزيم قضيته التي لا يزال حضورها على المسرح الدولي أقوى وأكثر وهجاً بكثير من حضورها في الحسابات الفلسطينية الداخلية.
وحده، الآن الصراع على السلطة يحتكر اهتمام الأطراف الفلسطينية. شارع مقابل شارع وتهديد يقابله تهديد وجدل قانوني ودستوري يخفي نزاعاً، قد يتحول إلى كسر عظم، حول الحكومة والانتخابات. وكأن هذه الأخيرة غاية بحد ذاتها، أو كأنها مفتاح الخلاص، من الحالة الفلسطينية السائدة التي لم يعرف التاريخ الفلسطيني أكثر تعاسة ومعاناة منها، أما مواضيع الجدار ومتابعة عزل وتطويق القدس الشرقية، فضلاً عن مواصلة إسرائيل لسياسة الاغتيالات والحصار ـ ناهيك بالحصار الدولي الظالم ـ فكلها باتت بالكاد مسموعة سيرتها.
والأكثر فداحة أن الأمور تبدو وكأنها سائرة نحو طريق مسدود ينذر بإسقاط ما تبقى من خطوط حمراء؛ إذا تعذر الاستدراك قبل فوات الأوان وعاد معه الفلسطينيون إلى طاولة الحوار لترميم البيت الفلسطيني ورده إلى سكة الوحدة الوطنية؛ رئاسة وحكومة وبرنامج عمل، فالعدو الإسرائيلي يعمل الآن وباغتباط على صب الزيت فوق نار الخلافات الفلسطينية. وصار من التكرار الممل القول بأن استمرار التدهور الجاري على الساحة الفلسطينية ليس أقل من نفخ بالنار التي تشتهي إسرائيل إضرامها.