مرة أخرى تعود الصراعات الداخلية الى واجهة المشهد الفلسطيني لتعمق مآسي الشعب الصامد وتصرف الانظار عن قضيته المركزية ونضاله الطويل وتضحياته الكبرى في سبيل تحرير ارضه وتحقيق سيادته واقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، وتنسف الجهود الخيرة لتحقيق المصالحة وتشكيل حكومة الوحدة وتوفر للاحتلال وحلفائه مزيدا من الذرائع والمبررات لتكريس الامر الواقع والتهرب من استحقاقات السلام ومساعيه التي يتزايد الاهتمام العالمي بها على نحو غير مسبوق بعد ان ترسخت القناعات بأن الاحتلال الاسرائيلي هو السبب الرئيسي لكل الازمات والصراعات التي تشهدها المنطقة وان تسوية القضية الفلسطينية هي المفتاح السحري لحلها.

لقد تصاعدت درجة الاحتقان والتشنج في الشارع الفلسطيني وفي خطابات قادة القطبين الرئيسيين في ساحته السياسية - "فتح" و"حماس"- وتصرفات انصارهما الى حد حمل الاشقاء والاصدقاء، قبل الاعداء، على الحديث عن نذر متزايدة لحرب اهلية، لم يعد التعبير عن حسن النوايا ولا تكرار عبارة "الدم الفلسطيني خط احمر" كافيين لابعاد شبحها او تهدئة مخاوفها في ظل حالة الاستقطاب ولي الاذرع التي يتبارى فيها مسؤولو السلطة وفصائلهم المسلحة.

في ظل هذا الوضع المتفجر، تبدو حاجة الفلسطينيين للجلوس الى بعضهم من جديد بصدور رحبة والتعامل مع المخاطر المحدقة بمزيد من الهدوء والحكمة بهدف البحث عن حلول وسط ترضي الجميع وتنزع فتيل التوتر، اكبر من حاجتهم للاستمرار في تبادل الاتهامات واستعراض العضلات الكلامية والدعوات للنزول الى الشارع والتسرع في اعلان قرارات قد لا تجد طريقها الى التنفيذ إلا عبر مزيد من الفتنة والتشرذم.

ولن يكون معقولا او مقبولا ان يتذرع اي طرف بتعقد الخلافات او تعذر التفاهم بشأنها، فالجلوس إلى مائدة التفاوض مع افراد العائلة الواحدة والتفاهم بشأن الهموم والقضايا المصيرية المشتركة بينهم، يجب ألا يكونا في اي حال اصعب من التفاوض مع الاحتلال او التفاهم معه، وهما في النهاية خيار أسهل وأجدى من مواجهة أوضاع كارثية لا تتردد القوى المعادية في دفع الامور نحوها بقوة ولا يبدو الفلسطينيون ولا العرب قادرين على تحمل عواقبها الوخيمة.