هناك ثلاث ساحات في العالم العربي تتحرك فيها القوى الخارجية وتستخدمة الأحزاب والفصائل والميليشيات المحلية لتنفيذ مخططاتها وتمرير مشاريعها التي لا تخدم سوى المصالح الأجنبية على حساب المصالح الوطنية والقومية العليا للشعوب العربية المبتلاة بهذا الصراع على مناطق النفوذ: وهذه الساحات هي العراق ولبنان وأخيراً وليس آخراً الساحة الفلسطينية التي ظلت هادئة نسبياً إلى أن بدأ النزاع بين حركتي حماس وفتح يأخذ أبعاداً خطيرة واحياناً مأساوية دون أن نجد من يكبح جماح هذا العنف العبثي المتصاعد أو يعيد المتخاصمين الى صوابهم ويجدد لهم انتماءهم الى وطنهم فلسطين وشعبهم الفلسطيني الصابر والصامد منذ أكثر من مائة عام.

وقد شهد الأسبوع الماضي سلسلة من الأحداث الدامية بدأت بقتل الأطفال الأبرياء الثلاثة في غزة وهم متوجهون الى مدارسهم وهي جريمة هزت الوجدان الفلسطيني لأنها غير مسبوقة من حيث الفظاعة والبشاعة ثم وقعت جريمة اغتيال القاضي بسام الفرا في خانيونس وهو عمل اجرامي يمس ليس فقط الحركة التي ينتمي إليها بل كذلك ينتهك هيبة القضاء واحترام السلطة القضائية وجاءت الاشتباكات على معبر رفح أمس الأول اثناء اجتياز موكب رئيس الوزراء اسماعيل هنية للمعبر وهي الاشتباكات التي أدت الى استشهاد مواطن واصابة عدد آخر بجروح لترفع مستوى التصعيد الأمني الداخلي الى درجة قصوى وتهدد بانفجار واسع النطاق واقتتال ربما سيكون شاملاً لا سمح الله لو تعرض رئيس الوزراء لأي مكروه.

وهؤلاء المتصارعون على المكاسب السياسية الوهمية يتجاهلون ان المستفيد الوحيد من صراعهم وتصعيدهم هو الاحتلال الاسرائيلي والقوى الدولية التي تستغل هذا الصراع لتعزيز نفوذها وخذمة مشاريعها في المنطقة ولم يعد خافياًَ على أحد أن كلاً من الولايات المتحدة وإيران لديها ملفات ومخططات للسيطرة على الشرق الأوسط وان ما يجري في فلسطين هو صراع بين هاتين القوتين الكبيرتين سيكون الخاسر فيها هو القضايا الوطنية العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية ان لم يستيقظ المتصارعون في بلادنا وفي كل من لبنان والعراق ويقدموا وحدة العنف الوطني على الاعتبارات الحزبية والفصائلية ويفصلوا قضاياهم الوطنية والقومية عن المحاور الأجنبية ومخططات الهيمنة الخارجية.

وإذا كانت مقولة حرمة الدم الفلسطيني وحرمة الاقتتال الداخلي بين أبناء الشعب الفلسطيني الواحد تبدو في نظر البعض فكرة مجردة أو نظرية لا صلة لها بالواقع فإن التجارب التي يمر بها شعبنا خلال مسيرته النضالية الطويلة اشتملت على تناحرات وصراعات دامية أحياء بين الأحزاب الفلسطينية في ثلاثينات واربعينات القرن الماضي وكانت النتيجة الوحيدة هي تراجع القضية الفلسطينية وحدوث نكبة عام 1948 وتشرد اللاجئين عن أرض وطنهم وبالتالي فانه لا توجد مقولة أكثر واقعية وأشد الحاحاً من احترام السلم الوطني والاجتماعي في بلادنا والحفاظ على طهارة السلاح الفلسطيني وعدم تلوثه بالدماء الفلسطينية مهما كانت الأسباب والذرائع.

والمأمول أن يعود العقل والمرشد الى أبناء الوطن والواحد والشعب الواحد فتتراص الصفوف وتتوحد الكلمة وتحل المشكلات والخلافات بما يخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية العليا. أما التصعيد الداخلي فلن يعود الى أي نتيجة يتوخاها هذا الفصيل أو ذاك وإنما سيؤدي فقط الى سلسلة من الكوارث يصعب وقفها أو احتواء عواقبها ولن يفيد عندئذ الندم أو محاولات اصلاح ما فات. وتظل الوقاية من هكذا كوارث وقاس افضل بما لا يقاس من محاولة علاجها أو الخفيف من آثارها ولكن بعد فوات الأوان.