الديمقراطية كلمة براقة، تجري على كثير من الألسن، وتحتل سطور آلاف المقالات والكتب في عالمنا العربي في الآونة الأخيرة، باعتبارها العصا السحرية لحل المشاكل المزمنة التي نعاني منها جميعا، غير أن الكلام شيء والإيمان الحقيقي بالديمقراطية كسلوك وممارسة شيء آخر، وهو ما يعكس حالة من الازدواجية في العديد من المواقف، تفضح مدعي الديمقراطية باعتبارهم أصحاب شعارات لا تقدم ولا تؤخر.
نفهم أن بعض الحكومات العربية إن لم يكن غالبيتها يمكن أن تتخفى وراء قناع الديمقراطية، لتمرير العديد من السياسات غير الديمقراطية على رقاب البلاد والعباد، غير انه ليس مقبولا أن نجد الموقف ذاته وسط الأحزاب والحركات السياسية التي تصدع الرؤوس بالحق أحياناً، وبالباطل أحياناً أخرى، عن ضرورة التغيير الديمقراطي، وإطلاق العنان أمام حرية الاختيار لقيادة سفينة الأوطان المشرفة على الغرق إلى بر الأمان.
آفة عدم الإيمان الحقيقي بالديمقراطية، كانت سببا في السنوات العشر الأخيرة في انشطار، إن لم يكن انهيار العديد من الأحزاب المصرية، التي باتت عاجزة عن القيام بدورها تجاه المجتمع الذي ترفع لواء الدفاع عن قضاياه، وشاهدنا انشقاقات تلو الأخرى في هذا الحزب أو ذاك، على خلفية غياب الاحتكام إلى الديمقراطية بين أجنحة متصارعة لأسباب شخصية في الكثير من الأحيان، في مقدمتها رغبة الالتصاق الأبدي بمقاعد القيادة، والبقاء في الصورة أمام وسائل الإعلام.
ربما يتهم البعض السلطة بالعبث بالأحزاب، وحدوث اختراقات هنا وهناك، لكن الأساس في الأمر إذا كان المشاركون في تلك الوقائع لديهم شجاعة الاعتراف بالحق. إن غياب الديمقراطية في الممارسة كان سبباً أصيلاً فيما آلت إليه أحزابهم من ضعف وهزال.
وفي الأيام الأخيرة تسللت الآفة نفسها إلى الحركة المصرية من أجل التغيير «كفاية» التي تأسست قبل عامين لتضيف إلى الحياة السياسية زخما، وتحدث نوعا من تجديد الدماء في أوصال الحركة الوطنية، بعد أن ضمت في صفوفها خليطا من الاتجاهات والشخصيات التي تحظى بالاحترام.
فقد انسحب من الحركة عددا من رموزها المعروفين، وأصدروا بيانا اعتبروا فيه أن الحركة فشلت في بلورة إطار مؤسسي لتحقيق الأهداف التي قامت الحركة من اجلها مثل الدعوة للإصلاح السياسي الشامل و«إنهاء احتكار السلطة وإعلاء سيادة القانون ومواجهة المشروع الأميركي الصهيوني الذي يهدد قوميتنا وأمننا العربي».
وقال البيان الذي وقعه المنسحبون «إن هناك قلة في الحركة تعمدوا إدارتها في معزل عن القيادات المؤسسة والاهتمام بالحضور الدعائي في الصحف والفضائيات مع حبس الحركة داخل المقرات». أما القشة التي قصمت الظهر كما يقول المنسحبون فهو بيان صدر لمناصرة موقف وزير الثقافة المصري فاروق حسني في قضية الحجاب دون الرجوع للجنة التنسيقية للحركة. ناهيك عن اتهام البعض لتيار سياسي بعينة بالسيطرة على الحركة.
إذن الخلافات لم تجد لها طريقا ديمقراطيا للتعامل معها، قبل أن نشهد تداعياتها الحالية، الناتجة على ما يبدو عن تراكمات سابقة حول أسلوب وطريقة عمل الحركة التي ظن البعض أنها يمكن أن تشكل بديلا لأحزاب ماتت إكلينيكيا، أو تلك التي ماتت في المهد وقبل أن تقدم فعلا حقيقيا في الشارع السياسي سوى إكمال الديكور الديمقراطي.
قد نتفق أو نختلف مع بعض الشخصيات التي قررت الرحيل عن «كفاية»، لكن هذا الرحيل لابد وأن يخضع للتحليل في سياق ما بدأنا به وهو: هل نحن مؤمنون حقا بالديمقراطية كأداة للوصول إلى وضع أفضل والخروج من الأزمات التي نعانيها، أم أن الأمر لا يعدو كونه شعارات لزحزحة البعض عن الطريق استنادا إلى الممارسات نفسها التي تهاجم الحكومات بسببها؟
الأزمة التي ربما تعصف بحركة كفاية حاليا تجسيد للأسف لحالة شبه عامة، في الشارع السياسي المصري وهي: إنني مع الديمقراطية طالما تخدم أهدافي، وضدها إذا تعارضت مع مصالحي، ومن يحتج عليه الرجوع إلى ملفات كافة الأحزاب التي حصرت دورها في مقر وصحيفة على أفضل الأحوال.