نهاية عام عراقية بامتياز في واشنطن: «سقوط» جون بولتون وخروجه من الأمم المتحدة، استقالة دونالد رامسفيلد من وزارة الدفاع وحلول روبرت غيتس مكانه. غيتس يعلن بأننا لا نحدث أي تقدم في الحرب في العراق ويعترف بأن الوضع القائم غير مقبول في ظل ترحيب ديمقراطي كبير بصراحته.

الرئيس بوش يعلن أيضا عن عقد اجتماعات عديدة ومتنوعة مع كبار مساعديه في الإدارة الأميركية ويعد بالإعلان عن السياسة العراقية «الجديدة» لواشنطن في مطلع العام المقبل. رامسفيلد الذي قدم عشية استقالته وثيقة تقيمية للأخطاء الأميركية في العراق وتصورا للخروج من المأزق لم يقدم بديلا استراتيجيا لتلك السياسة،

إنما تعديلات «تكتيكية» كما وصفها زبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي السابق في إدارة كارتر. بالنسبة لرامسفيلد الفشل الأميركي في العراق لا يعود سببه لأهداف ومنطلقات الاستراتيجية الأميركية ولا بالطبع لمقاربتها الدبلوماسية لهذه المسألة بقدر ما هو نتاج سوء الإدارة والأخطاء «التقنية».

لكن الأهم نهاية هذا العام كان صدور تقرير بيكر هاملتون الذي أخذت عملية إنجازه تسعة أشهر والذي قامت به شخصيات ومؤسسات بحثية لامعة وذات وزن ثقيل في الولايات المتحدة. التقرير الذي لقي ترحيبا من الإدارة الأميركية ولو بتحفظ باعتباره سيكون إحدى الروافد في إعادة النظر في الاستراتيجية الأميركية في العراق وهو رسالة مسبقة ومعلنة حول وزن التقرير ولخفض سقف التوقعات بشأن تحوله إلى سياسة رسمية في الإدارة الأميركية.

التقرير لقي ترحيبا أوروبياً ولو متفاوتا وانتقاداً إسرائيلياً شديداً بسبب إلقائه الضوء على ضرورة تسوية القضية الفلسطينية وأثار الكثير من التوقعات ولو بدرجات ولأسباب مختلفة على الصعيد العربي ولقي نقدا من العراق «الرسمي» كما كان متوقعا. جملة من الملاحظات يمكن إدراجها حول هذا التقرير الذي يحمل 79 مقترحا، وحول مضمونه وما يرمي إليه وما يعكسه ويكرسه.

أولاً: توصيات التقرير ووجهة السير التي يدعو إليها جاءت كلها في سياق المزاج الذي تطور واستقر واتسع في المؤسسة الاستراتيجية الأميركية. جاء ليعزز ويكرس هذا المزاج الذي يقول بالحوار مع إيران بشكل خاص أيا كان موقف أطراف هذا المزاج عقائديا أم سياسيا من إيران وأياً كان موقعهم على الخريطة السياسية الأميركية. الدعوة التي يحملها التقرير تتعلق بحوار مشروط مع الأطراف المقاطعة وتحديدا إيران وسوريا. ويحمل التقرير في توصياته بعض هذه الشروط.

ثانياً: جاء أيضا في ظل تراجع وارتباك والبعض يقول فعل ندامة تلاه بعض رموز المحافظين الجدد ومن أبرزهم كينيث ادلمن احد المقربين من دونالد رامسفيلد والذي قال في نقد ذاتي ان أي سياسة مهما كانت عادلة ونبيلة بالمطلق إلا أنها لا تصلح لشيء إذا لم يكن من الممكن تنفيذها،

وذلك بعد الورطة العراقية التي وضع المحافظون الجدد واشنطن فيها ووضعوا العراق والشرق الأوسط كله فيها، وهناك شعور عند بعضهم ان اللحظة الحالية بالنسبة لهم هي لحظة ترقب وانتظار إلى ان يفشل أصحاب مدرسة الواقعية في بلورة سياساتهم مما سيثبت صحة مواقف المحافظين الجدد.

ثالثاً: لا يكفي ان يكرر التقرير ما قيل هنا وهناك حول ضرورة إحداث مراجعة جذرية للسياسة الأميركية باتجاه اعتماد مقاربة شاملة ومتعددة الأطراف بل ان الإدارة حاولت التخفيف من وطأته رغم «الصدمة» النفسية والسياسية التي أحدثها في واشنطن من خلال التقليل من شأنه في المراجعة التي تقوم بها الإدارة لسياستها العراقية.

رابعاً: التقرير وما سبقه وما لحقه والحوارات التي آثارها والمنطلقات والمقاربات المختلفة التي أوصى بها جاء ليكرس الدعوة للعودة إلى المدرسة الواقعية أو كما يقول ريتشرد هاس، للعودة إلى بعض التواضع والتقليدية في السياسة الأميركية. وللتذكير فان العودة إلى هذه المدرسة،

كما يتخوف البعض ويحذر البعض الآخر، لا تعني بالضرورة العودة إلى سياسات طبق الأصل عن الماضي. فهنالك الكثير من المتغيرات الهيكلية التي حصلت والدروس العديدة التي نتجت عن تجارب الماضي ولكن المقصود هو اعتماد البراجماتية في مقاربة الأمور، هي عودة الدبلوماسية بشكل أساسي التي تقوم على الانفتاح والحوار والتواصل والتفاعل وتأخذ بعين الاعتبار دون شك التضاريس السياسية والمتغيرات الاستراتيجية الدولية والإقليمية وأفضل السبل للتعامل معها فالتفاعل والتعامل مع الكل يعني البحث عن المصلحة المشتركة قبل أي شيء آخر والبناء عليها.

خامسا: أهمية التقرير تكمن أيضاً وبشكل خاص في إعادة التركيز على القضية الفلسطينية، القضية التي جرى تهميشها ووضعها على الرف منذ خمس سنوات وأكثر، والتأكيد بشكل خاص على حجم التأثير الكبير سلباً وإيجاباً بشكل مباشر في حالات وغير مباشر في حالات أخرى على كل أزمات المنطقة ومنها العراق من حيث حجم التأثير التي تحمله القضية الفلسطينية سلباً وإيجاباً على البيئة السياسية والقيمية في الشرق الأوسط.

سادساً: يطرح التقرير في إطار الزخم الذي جاء ضمنه تساؤل حول نهاية الايديولوجيا في السياسة الخارجية الأميركية بعد ان بشر أصحاب الايديولوجيا بنهاية التاريخ وحتمية الانتصار القيمي والاستراتيجي الغربي.

سابعاً: رغم ذلك يبدو ان الادارة ضمن منطقها الأحادي مازالت تنظر في واحد من خيارات ثلاثة اولها حماية بغداد والتركيز على ذلك، كأن تختصر الدولة العراقية «الطبيعية» في بغداد كما اختصرت بالأمس الدولة الأفغانية بكابول. الدولة التي تصغر مساحتها مع الوقت ومع حلول الظلام كل يوم،

وخيار ثان يقوم على «تلزيم» بغداد للسلطة العراقية والتفرغ لسياسة الملاحقة الساخنة للقاعدة والخيار الثالث العودة إلى ما يعرف بخيار الثمانين بالمئة وهو الخيار الذي بدأت به السياسة الأميركية في العراق من خلال إعادة الدعم الكلي «للسلطة الشيعية الكردية» كما يسميها بعض الداعين لهذا الخيار،

والتخلي الكلي في الوقت ذاته بعد التعثر والفشل عن محاولات إدخال السنة بالشروط المقدمة لهم في بناء العراق. كلها خيارات تمثل استمرارا للسياسة الأميركية ولا تغيرا من منطلقاتها ولو تغيرت آفاقها الأيديولوجية الخلاصية لتتحول من بناء الديمقراطية إلى وقف النزيف العراقي وتوفير الاستقرار المطلوب.

ثامناً: يبقى المطلوب كما يذكر التقرير الذي يمثل جرس إنذار في حقيقة الأمر، إحداث مراجعة جذرية للسياسة الأميركية لواشنطن. السياسة التي لم تولِ الملف الأفغاني أهميته حين ركزت بسرعة على العراق فعاد ذاك الملف لينفتح من جديد مضيفا مزيدا من الضغوط والتعقيدات والتحديات أمام السياسة الأميركية.

السياسة التي ساهمت في الغرق بخطى وثيقة في المستنقع العراقي والتي اعترفت بعد تردد طويل بوجود حرب أهلية في العراق قد يصعب مع الوقت من احتوائها وازدياد التأزم في فلسطين المنسية والتوتر في لبنان الذي يدفع دائما ثمن الجغرافيا الإقليمية.

فالمطلوب مراجعة شاملة ليس فقط للسياسة العراقية بل للسياسة الإقليمية الشرق أوسطية لواشنطن، المطلوب مراجعة عميقة وجذرية للتعامل مع العراق بشكل يسمح بالتعامل بنجاح أفضل مع الملفات المشتعلة الأخرى ودون وضع هذه الملفات الأخيرة على «رف» الانتظار.

تاسعا: يبدو ان الارتباك والتردد سيطبعان الموقف الأميركي وسيسمحان بتغيير بسيط وجزئي ومتأخر دائما وبالتالي غير مؤثر بشكل فعال في ظل ازدياد محاصرة الإدارة من طرف كونغرس معارض ومؤسسة استراتيجية تزداد حدة في نقدها للسياسة الأميركية.

خلاصة القول ان الايديولوجيا الخلاصية التي حملها المحافظون الجدد، أصيبت بالبهتان والتهميش وقد سقطت بالفعل ولكن لم تسقط بعد ولو اهتزت وضعفت السياسات التي نشأت في كنف تلك الايديولوجيا، الأمر الذي قد يؤدي إلى مزيد من الفوضى والارتباك في السياسة الأميركية والتراجع في الدور الذي يعكس اهتزاز المكانة في الشرق الأوسط والإسهام بالتالي في زيادة منسوب الفوضى والتوترات في شرق أوسط مشتعل

كاتب لبناني