في نفس اليوم الذي كانت دول مجلس التعاون الخليجي تعلن في ختام قمة الرياض أن قادة الدول «وجهوا بإجراء دراسة مشتركة لدول مجلس التعاون لإيجاد برنامج مشترك في مجال التقنية النووية للأغراض السليمة طبقاً للمعايير والأغراض الدولية».

في نفس اليوم كان رئيس وزراء إسرائيل ايهود أولمرت يعلن ـ لأول مرة ـ عن امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية خلال مقابلة تلفزيونية قارن فيها بين إسرائيل الوديعة المسالمة (!!) وبين إيران التي تهدد بمحو إسرائيل من الخريطة (!!) متسائلاً: هل يمكنكم أن تقولوا إن الأمرين متساويان عندما يتطلعون لامتلاك أسلحة نووية مثل أميركا وفرنسا وروسيا و.. إسرائيل؟!

هل هي «زلة لسان» أم خطأ ينبغي المحاسبة عليه كما سارع العديد من المسؤولين الإسرائيليين لوصف تصريح أولمرت حرصا على حالة «الغموض» التي تتبعها إسرائيل مع قضية الأسلحة النووية التي يعرف العالم كله أنها تمتلك مئات القنابل منها ولكنها لا تعلن ذلك رسميا؟

أم أن إسرائيل قد قررت استغلال أزمة البرنامج النووي الإيراني لكي تضع نفسها ضمن الدول النووية رسمياً وتنال ـ بالدعم الأميركي ـ الاعتراف الدولي بذلك؟ وهل لهذا السبب ارتضت حكومة أولمرت تهدئة الأوضاع في الأراضي الفلسطينية وإعطاء الانطباع بأنها مستعدة للحلول السلمية إذا وجدت «شريكا فلسطينيا» يقبل بذلك كما تدعي؟ وهل هناك علاقة بين المحاولة الإسرائيلية وبين التعامل الإيجابي من جانب أميركا مع إعلان مصر وغيرها من الدول العربية عزمها تنفيذ برنامج لإنشاء محطات نووية للطاقة بعد طول ممانعة؟

كما هو متوقع بدأت إسرائيل محاولة تطويق آثار التصريحات، وعاد أولمرت ليؤكد أن سياسة إسرائيل النووية لم تتغير، ولكن المثير للدهشة كان ما أعلنته المتحدثة باسم الحكومة بأن «أولمرت لم يكن يتحدث عن امتلاك إسرائيل أسلحة نووية، بل كان يتحدث عن الديمقراطية».

والمثير أن حديث أولمرت النووي الديمقراطي (!!) ترافق بالمصادفة أيضا مع تصريحات للرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر التي أكد فيها أن السياسة الإسرائيلية المتبعة في الضفة الغربية أكثر سوء من سياسة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا !!

نحن والعالم نعرف أن إسرائيل تمتلك مئات القنابل النووية، وتملك الطائرات والصواريخ القادرة على حملها، تملك أيضا الغواصات النووية التي زودتها بها ألمانيا، لكننا مع كل ذلك ندخل مع أولمرت مرحلة جديدة يبدو وأن المطلوب فيها أن نقر ونذعن ليس فقط بامتلاك إسرائيل للأسلحة النووية بل بالتزامنا بقبول الأمر الواقع وقبول أن نظل للأبد تحت رحمة «الانفراد» الإسرائيلي بامتلاك هذه الأسلحة في المنطقة،

والتي كنا ومازلنا نطالب بقرار دولي بجعلها منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل، وهي مطالبة نعرف جميعاً أنها مجرد «طق حنك» طالما نحن في منطقة العجز النووي، أي طالما ظل العرب بعيدين عن امتلاك القدرة النووية، وهو أمر يبدو بعيداً حتى الآن بعد أن فقدنا عدة فرص لأسباب عديدة.

فقبل أربعين عاماً كانت مصر ضمن خمس أو عشر دول مرشحة لدخول النادي النووي خلال عشر أو خمس عشرة سنة وفقا للتقديرات العالمية، ثم جاءت كارثة 67 وتعطل البرنامج النووي المصري وتوقفت مشروعات عديدة في مجال الصناعة العسكرية ومنها الصواريخ بعيدة المدى والطائرة العسكرية التي كانت مصر تستعد لإنتاجها بالمشاركة مع الهند التي كانت ستصنع جسم الطائرة وتصنع مصر المحرك.

وكان المفترض أن تستأنف هذا البرامج بعد حرب 73، ولكن أميركا كانت قد دخلت على الخط، وتمت القطيعة بين السادات والمعسكر الشرقي. ومع كامب ديفيد والقطيعة العربية والارتباط بالمعونات العسكرية والاقتصادية الأميركية حوصرت الإمكانيات النووية المصرية تماما، وهاجر العلماء، وبيعت حتى بعض الشركات الصناعية التي يمكن أن يكون إنتاجها مفيداً للبرنامج في صفقات مريبة كما حدث في صفقة «المراجل البخارية» الشهيرة التي بيعت بأقل من ثمن الأرض المقامة عليها!

و بعد ذلك حدثت بعض المحاولات العربية كان أهمها محاولة العراق وضربت إسرائيل المفاعل. ورغم أن المحاولة العراقية توقفت بعد الحصار في التسعينات فقد اتخذت كمبرر (ثبت كذبه ) للغزو الأميركي. بينما انتهت التحركات الليبية في هذا المجال بتسليم كل شيء للأميركان، وبالطبع فلم تكن ليبيا تملك الإمكانيات لتحقيق شيء له خطورة في هذا المجال،

و لكنها كانت تعتمد على إمكانياتها المادية لشراء ما يمكنها من تحقيق خطوة على هذا الطريق، خاصة وانها كانت ضمن الدول العربية التي ساهمت في تمويل القنبلة الباكستانية باعتبارها قنبلة إسلامية، وبوعد بالمشاركة في بعض أسرار القنبلة.

وهكذا تبدت كل المحاولات العربية على مدى أربعين عاما في هذا المجال، ولنجد أنفسنا الآن في نقطة البداية أو بقربها، بينما «الآخرون» قد أنجزوا المهمة أو كادوا!!

في البداية كانت أمامنا فرصة حين كانت القيود الدولية ضعيفة، ووجود المعسكرين الدوليين والحرب الباردة بينهما تعطي مساحة للتحرك، ولكن عدوان 67 أوقف البرنامج المصري وتحالف السادات مع أميركا بعد ذلك أكمل المهمة.

وبعد ذلك كانت هناك فرص تم إجهاضها، ولم يكن ضرب المفاعل العراقي إلا نموذجاً لمؤامرات استهدفت منع العرب من امتلاك القدرة النووية بأي طريقة. وأظن أن التقارب المصري العراقي والتعاون المشترك في بعض القضايا الإستراتيجية في أواخر الثمانينات كان أحد العوامل الهامة في المخطط الأميركي لاستدراج صدام إلى خطيئة غزو الكويت لتكون المبرر لتدمير الجيش العراقي وحصار العراق تمهيداً لغزوه بعد ذلك.

إن ذلك كان يتوافق مع انهيار الاتحاد السوفييتي ومع وجود ثروة بشرية من العلماء وكميات من المواد المشعة معروضة في أسواق العالم. وقد تسابقت دول عديدة وفي مقدمتها إسرائيل على اجتذاب العلماء والحصول على ما تريد من المواد المشعة من باب دعم مخزونها بينما اكتفى العرب بالفرجة أو بالمحاولات الطائشة، وكانت النتيجة أن ذهب العلماء إلى إسرائيل، بينما تدفق علينا سيل من العوالم وبنات الليل !!

الآن يبدو الوضع شديد الخطورة. فرئيس وزراء إسرائيل يبدأ الخطوة الأخيرة للحصول على «شرعية» السلاح النووي الإسرائيلي، ومستغلا المعركة الدائرة حول البرنامج النووي الإيراني وما تطلقه إسرائيل من مزاعم حول خطورته على أمنها.

والعرب في وضع لا يحسدون عليه، وأميركا تدفع في طريق بناء تحالف من الدول «المعتدلة» لكي تساعدها في الخروج من مأزق العراق، ولكي تساعدها بعد ذلك في البقاء في المنطقة بزعم حمايتها من «المخاطر» التي ينبغي ـ من جانب أميركا ـ ألا تكون إسرائيلية !! ومن هنا إطلاق الفتنه الطائفية لكي يكون الصدام السني ـ الشيعي وما يستتبعه من تورط عربي وإيراني ومن دول إسلامية أخرى هو المبرر للتواجد الأميركي في المنطقة.

وإذا كان الخروج من مؤامرة الفتنه الطائفية هو مهمة عربية عاجلة، فإن ذلك لا ينبغي أن يجعلنا نغمض العيون عن مخاطر كبيرة تهدد أمننا القومي ومنها ما يتعلق بتخلفنا الرهيب عن هذا السباق الدائر لامتلاك القدرات النووية. إننا نعلم أن إسرائيل تمتلك مخزونا من الأسلحة النووية من سنوات، ولا شك أن إيران في طريقها لذلك، وقد يكون موقفنا الثابت بضرورة إعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي موقفاً أخلاقياً نبيلاً، ولكنه لن يصد الخطر ولن يبعد التهديدات.

وإذا كان مجلس التعاون قد بدأ التفكير في برنامج لاستخدام التقنية النووية للأغراض السلمية، وإذا كانت مصر قد بدأت الخطوات العملية لإنشاء محطات الطاقة النووية، وإذا كانت الجامعة العربية قد سبق ودعت الجميع إلى ذلك، فإن المنطقي أن تتوحد الجهود بين دول الخليج التي تملك الإمكانيات المادية وبين مصر بما تملكه من قاعدة علمية يمكن أن تستعيد كامل فعاليتها خلال فترة قصيرة للغاية.

والمطلوب باختصار أن نمتلك القدرات النووية المطلوبة والقادرة أن تعطي المصداقية لتأكيداتنا بأننا «لن نكون أول من يدخل السلاح النووي للمنطقة»!!

فعندئذ فقط سيسمع العالم لنا، وسيؤخذ ما نقوله مأخذ الجد، وبدون ذلك سيكون مصير المنطقة في أيدي من يملك القوة ليفرض نفسه ويؤكد مكانته. لقد وصفت المتحدثة باسم الحكومة الإسرائيلية «اعتراف» أولمرت بامتلاك السلاح النووي بأنه حديث في «الديمقراطية»!! ألا يحق لنا نحن أيضا أن نتحدث في هذه الديمقراطية؟؟

نقيب الصحافيين المصريين