ثمة قول شائع يحضرني هذه الأيام بقوة وأنا أحاول الكتابة حول ما يجري من حولنا أو بالأحرى في القلب من بلادنا أي في عاصمة الرشيد بغداد، ألا وهو: «الانطباع أقوى من الحقيقة» فكل من يتابع تسارع وقوع الأحداث هناك يكاد يخرج جازماً وقاطعاً بأن معركة مصيرية كبرى تدور رحاها في بلاد الرافدين بين السنة والشيعة ليس فقط على مستوى المواطن العراقي بل على مستوى الوطن العربي بأكمله لا بل الوطن الإسلامي برمته،

وان من يؤجج نارها هم «الإيرانيون الصوفيون»! سواء انتقاماً للتاريخ!! أو لأسباب تتعلق ببسط النفوذ، وان المطلوب من العرب العاربة والمستعربة جميعاً ان يقفوا بوجه هذه الهجمة الشرسة التي تكاد تكون أقوى وأشد خطراً! حتى من الاحتلال الأميركي والعدو التاريخي والجغرافي والسياسي الأهم على العرب والمسلمين ألا وهو دويلة الكيان الإسرائيلي.

ليس مهماً الآن أو على الأقل لم يعد مهماً برأيي بعد كل الذي حصل على مستوى الانطباع ـ ان يتصدى من يرفض هذا الانطباع من العرب والإيرانيين لأفكار هذا الانطباع أو تفنيده بالكلام والحجج والبراهين بقدر ما هو مطلوب إرساء وقائع قوية وقاطعة على الأرض تغير من هذا الانطباع وتقلب الطاولة على رؤوس من يروج له، لماذا؟ لأن الخاسر من هذه المعركة المجازية أو الواقعية هم العرب والإيرانيون معاً والسنة والشيعة معاً. وأما كيف؟ فبجلوس إيران ومصر والسعودية على طاولة مفاوضات صريحة ومباشرة تكون فيها الشفافية والمكاشفة هي الأساس وبدون شروط مسبقة.

أعرف ان مثل هذا القرار قد يكون صعباً وان دونه الكثير من المحطات التي يجب ان يتم تجاوزها أو العقبات التي يجب ان تذلل وان الكثير من تقاليد البروتوكولات والقواعد الدبلوماسية المحنطة الخاصة بالأمن القطري لكل بلد يجب ان يتم انجازها أو تجاوزها أولاً، لكن ذلك كله قد يجعل الأمر متأخراً جداً إذا ما أرجئت مثل هذه الاجتماعات إلى الغد بدلاً من اليوم، لماذا؟

ذلك ان كل يوم يمر يتم فيه وللأسف الشديد استحضار كل أدوات الفتنة ومقولاتها و«ثقافتها»! فهذا يستحضر مقولات «النواصب» و«السفيانيين» وذاك يستحضر مقولات «الرافضة» و«الشعوبيين» والحبل على الجرار.. والأهم من ذلك فان القتل والقتل المضاد كما هو الشر دائماً تكون آثاره التمدد والانفجار الكارثي فيما الخير يحتاج إلى البناء والإعمار حجراً حجراً بكل تأن وصبر وطول بال، وهو يحتاج إلى شجاعة الموقف وجرأة اتخاذ القرار حتى من وسط الركام!

صحيح ان البعض قد يشيد على أصحاب القرار بأن المعركة بالأساس هي بين مشاريع سياسية متفاوتة وان لكل طرف التزامات وصداقات وعهود ومواثيق لكن الصحيح أيضاً أن الفتنة إذا ما عمت سوف لن تبقي ولن تذر، وستذهب بالأمور في غير اتجاهات من يخططون لتلك المشاريع السياسية.

اقرأوا معي واحدة من عشرات الدراسات التي تكشف عن أحد أوجه صناع الفتن المتجولة في بلادنا: تقول دراسة أميركية صدرت مؤخراً كما نشرتها صحيفة «الأسبوع» القاهرية تحت عنوان: «التقسيم في الإسلام» أشرف عليها وعرضها جيمس كيرث استاذ العلوم السياسية تقضي بتعميق التقسيم والتفرقة بين الشيعة والسنة في العراق إلى ان تؤدي إلى الحرب الأهلية لتنتقل بدورها إلى جميع الدول المجاورة وصولاً إلى حد المواجهة النووية بين إيران والباكستان، وان التقسيمات يجب ان تبدأ بين المسلمين المعتدلين والمتطرفين أولاً.

ومن ثم تقسيمهم بين مسلمين سنة ومسلمين شيعة، وكما يرى جيمس كيرث فان العنف الطائفي المتنامي بين السنة والشيعة في العراق سيعجل بالتقسيم في هذا البلد وبما ان التقسيم والصراع يعتبر من سمات العديد من الدول الإسلامية الأخرى وخاصة لبنان وسوريا والسعودية والباكستان فان الصراع السني الشيعي سيصبح قوياً ومنتشراً مثلما كان الصراع داخل الاتحاد السوفييتي خلال العقود الثلاثة الأخيرة من الحرب الباردة،

وعندها ستصبح الحركة الإسلامية العالمية بلا معنى على الإطلاق حيث سيكون في العالم الإسلامي سنة إسلاميون وشيعة إسلاميون ولكن كل منهما سيعتبر الآخر عدواً له وليست الولايات المتحدة أو إسرائيل. انتهى الاقتباس من الدراسة الأميركية!

ولكن الأمر لم ينته ولن ينتهي عند هذا الحد برأيي بل ان نتائجه ستكون أخطر بكثير من ذلك.. فانحراف البوصلة في الصراعات وتغليب الجزئي على الكلي والفرعي على الأصلي والثانوي على الرئيسي يأتي بكل أنواع الشرور ولن يستطيع بعد مدة أي عاقل مهما ارتقى في قدرته العقلية على وقف حركة الدومينو،

لأن كل الغرائز والمشاعر والأحاسيس العرقية والاثنية والفئوية والمناطقية والقبائلية والعشائرية والعائلية والشخصانية ستتحرك ولن يسلم منها أحد مهما كان محصناً ـ كما يظن ـ لا بالعقيدة الصافية ولا بالتحليل السياسي أو العقلي السليم، لأن الوقت سيكون متأخراً جداً.

انظروا إلى تجربة العراق ملياً، لقد ظن البعض من العراقيين والعرب والمسلمين ان القبول المؤقت والعابر «للدخول» الأميركي إلى العراق قد ينجيه من طاغية أو من تسلط فئة أو طائفة على فئة أو طائفة أخرى، أو انه سيستبدل نظاماً سياسياً طائفياً بنظام سياسي طائفي آخر أكثر عدالة أو توزيعاً للسلطة، وان التوازن قد يعود للعراق والمنطقة من خلال ذلك التدخل بعد ان فشل آخرون أو عجزوا من أهل الإقليم أو من أهل الداخل، فماذا حصل حتى الآن؟

ان أقل شيء يمكن قوله هو ان الجميع أصبح تحت مطرقة القتل والدمار والخراب وان الظلم بات منتشراً على الجميع وان الفتنة عمت ربوع العراق وان البوصلة ضاعت واختفت من أيدي الجميع وتكاد تفلت من المنطقة كلها.. لماذا؟ ذلك لأن استحضار القتل الغرائزي «والفتح» الغرائزي والاستقواء الغرائزي فتنة وشر مستطير وكذلك استحضار «الانتقام» التاريخي الغرائزي، فهل ينتبه ويستفيق أهل الحل والعقد من الحرب والمسلمين قبل فوات الأوان؟ المطلوب نقلة نوعية في التعامل فيما بيننا وتصحيح اتجاه البوصلة قبل ان تنكسر!

font color="0066ff">كاتب إيراني