آخر أخبار الظاهرة النووية في العالم حدثان: تلميح يرقى إلى مستوى الإقرار من رئيس الحكومة الإسرائيلية أولمرت بأن الدولة اليهودية تملك فعلاً ترسانة نووية، وإجازة مشروع قانون بواسطة الكونغرس الأميركي لإضفاء شرعية قانونية على اتفاقية أميركية ـ هندية تسمح بتصدير التكنولوجيا النووية الأميركية إلى الهند ـ التي تملك هي أيضاً ترسانة نووية.
في هذه الأثناء تواصل الإدارة الأميركية مع حلفائها الأوروبيين بحث ما يمكن اتخاذه من عقوبات ضد إيران التي لا تملك ترسانة نووية وإنما يراد معاقبتها على برنامج نووي غير مكتمل لخدمة أغراض مدنية «يحتمل» أن يبلغ على المدى البعيد القدرة على إنتاج أسلحة نووية.
قد تبدو هذه التطورات معزولة عن بعضها البعض لكنها في الحقيقة مرتبطة عضوياً على المستوى السياسي الاستراتيجي. فالهدف الأميركي غير المعلن إلا لماماً هو أن تبقى ترسانة الأسلحة النووية الإسرائيلية الوحيدة من نوعها في منطقة الشرق الأوسط وجوارها الجغرافي كمصدر تهديد رادع ومستديم للبلدان العربية والإسلامية.
وهكذا تتضح الرابطة العضوية بين تطورات تبدو ظاهرياً بلا رابط «فني». فالهند النووية دولة لا خوف على إسرائيل منها خاصة أنها أقامت منذ منتصف التسعينات علاقات استراتيجية مع الدولة اليهودية. إيران هي نقيض النموذج الهندي. فهي دولة إسلامية تضع على رأس أجندتها الخارجية تحرير القدس.
ولكن ماذا عن باكستان التي استطاعت بالفعل تطوير برنامجها النووي إلى مستوى إنتاج قذائف حربية نووية؟
على مدى عقدي الثمانينات والتسعينات وحتى عام 2001 ظلت الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً متشددة ومنهجية على الحكومات الباكستانية المتعاقبة لإلغاء البرنامج النووي الباكستاني أو على الأقل تجميده، وفجأة في عام 2001 أوقفت الولايات المتحدة هذه الضغوط نهائياً.
فقد دخلت على الخط تفجيرات «سبتمبر» في نيويورك وواشنطن ومن ثم تدشين الحرب العالمية الأميركية على «الإرهاب»، وكان في مقدمة المتطلبات الحيوية لهذه الحرب ضرورة استقطاب باكستان من أجل استهداف طالبان و«القاعدة» وإذن كان غض الطرف عن البرنامج النووي وتطويره المكافأة الكبرى التي حظيت بها باكستان.
هذا النفاق الأميركي يثير الاشمئزاز، فالولايات المتحدة تطرح نفسها كقوة عالمية تحمي المعاهدة الدولية لمنع الانتشار النووي بينما في الوقت نفسه تدعم الترسانة النووية لكل من إسرائيل والهند علماً بأن كليهما ترفضان التوقيع على هذه المعاهدة. ومن ناحية أخرى تتحرش بالبرنامج النووي الإيراني الذي لم يتحول إلى ترسانة أسلحة علماً بأن إيران إحدى الدول الموقعة على الاتفاقية الدولية.
ولهذا النفاق الأميركي وجه آخر، فالاتفاقية التي وقعتها إدارة بوش مع الحكومة الهندية لتصدير معدات ومواد تكنولوجية نووية أميركية إلى الهند ووجهت بادئ الأمر بمعارضة شديدة في مجلسي الكونغرس. لكن هذه المعارضة تلاشت عندما تدخل «لوبي» الشركات الأميركية النووية بسلاح الرشاوى. فالاتفاقية تمهد الطريق لتسابق الشركات الأميركية نحو تعاقدات نووية هندية بمئات الملايين من الدولارات. الجدل النووي لا يتعلق بحماية البشرية وإنما يتعلق بمصالح ذاتية.