انزلق الوضع الفلسطيني نحو الأسوأ، حيث ازدادت التجاذبات شدة وحدة، بين فتح وحماس مع إعلان الرئيس محمود عباس عن الدعوة لانتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة. كما شن الرئيس عباس هجوماً عنيفاً على الحكومة الفلسطينية، وحملها مسؤولية الأزمة.
وفي المقابل لم تكن حماس أقل شدة، إذ رفضت الانتخابات المبكرة واعتبرتها انقلاباً على الشرعية. ودعت إلى الاحتجاج عليها عبر الشارع. وهو ما ينذر بمزيد من التصعيد. وكان الانزلاق قد تصاعد مع عودة الاغتيال، لكن الجديد نوعي هذه المرة وغير مسبوق. سواء في الاستهداف، أو في الاتهام.
فلأول مرة تستهدف رموز قيادية، من الطرفين؛ إما بالرصاص وإما بتوجيه إصبع الإدانة إليها وتحميلها مسؤولية التطورات الأمنية. اشتعال جبهات التراشق كانت حرارته مرتفعة أكثر من أي وقت مضى، وشمل ذلك جميع المستويات. الأمر الذي أضفى على الأزمة جواً من التوتر، الذي بلغ حد المقاطعة والقطيعة؛ بين الجانبين. خطورة التدهور حملت باقي الأطراف الفلسطينية إلى رفع الدعوات لضبط النفس وتشكيل لجان تحقيق، تنظر بالأحداث التي وقعت مؤخراً.
جيداً، لكن ليس من لا يعرف أن المسألة أبعد من ذلك، فهذه الأحداث ليست أمنية بحتة. ثم توقيتها يطرح تساؤلات كثيرة. وأيضاً نوعيتها؛ منذ مقتل الأشقاء الصغار الثلاثة ـ أولاد مسؤول أمني ـ قبل أيام؛ وحتى محاولة اغتيال رئيس الحكومة إسماعيل هنية؛ أول من أمس، وكأن هناك استعجالاً لزج الوضع الفلسطيني في الصراع الأهلي المهلك؛ الذي طالما تمناه ودفع باتجاهه أعداؤه.
والمأساوي هنا، بل المفجع، أن هذه الساحة المنكوبة، من كل النواحي، تبدو وكأنها تسير باتجاه الوقوع في هذا الكمين، مع أن تجربتها، التي اتسمت بامتلاك المناعة ضد مثل هذا الفخ؛ وفرت لها الاستمرارية ولو المتعثرة، حتى الآن. كما إنها شكلت عامل الاعتراض الأقوى بوجه المشروع الصهيوني وحرمانه من بلوغ الاستقرار الأمني والسياسي اللذين ينشدهما.
وإذا كان ذلك لا يكفي فان ما يجري ويدور على الساحة العراقية، كفيل وحده بتقديم الدرس البليغ عن انفتاح جحيم التقاتل الأهلي والعزوف عن التحصّن بالوحدة الوطنية. والأكثر مأساوية هو الاغتباط الإسرائيلي بالتطورات الأخيرة ومحاولات نفث السموم والتهويش؛ فضلاً عن لغة التشفي والتحريض المبطن التي اتسمت بها ردود إسرائيلية ومنها كلام النائب افرايم سنيه.
ويبدو أن الضحية الأولى لما جرى، كانت حكومة الوحدة الوطنية وإمكانية استئناف الحوار بصددها. وما يخشى منه أن يتحكم الانسداد في هذا الاتجاه؛ بحيث تكون النتيجة المزيد من الردود والإجراءات التي تصب في رفع وتيرة التأزيم والاحتقان. والخشية أكثر أن يكون كل هذا التصعيد الأمني والسياسي إيذاناً باندلاع مواجهة تكون جزءاً من مواجهة أكبر وأبعد من الساحة الفلسطينية.
أو ربما افتعال خلع مثل هذا الثوب عليها. عندئذٍ يكون الوضع الفلسطيني قد حسم باتجاه جعل صراعه السياسي الداخلي، يأخذ أبعاداً، لن يكون بإمكانه التحكم بها أو بغاياتها وأهدافها التي لن تكون في أي حال لمصلحة الشعب الفلسطيني وقضيته المركزية.
المفارقة الموجعة أن يحدث الغليان الفلسطيني الخطير هذا والذي يتهدد بدفع الجميع إلى القاع السحيق؛ فيما تضع إسرائيل آخر اللمسات «القانونية» ـ السياسية فعلاً المطلية بحكم محكمة ـ لفصل القدس الشرقية عن محيطها في الضفة؛ تمهيداً للضم التدريجي الجاري منذ فترة عن طريق القضم الخبيث لأراضي المدينة العربية. ناهيك عما يواصل الجدار العنصري قضمه. وبالتالي فاستمرار التردي الداخلي في ضوء هكذا ظروف لن يكون أقل من خطيئة لا تقبل الغفران