ظلت الفصائل الفلسطينية والمسؤولون الفلسطينيون خلال مسيرة النضال لتحقيق التطلعات الوطنية الفلسطينية تردد، ويرددون، ان الاقتتال الداخلي بين الفلسطينيين خط احمر وان سفك الدم الفلسطيني بالسلاح الفلسطيني خط احمر ثان وان الوحدة الوطنية الفلسطينية مقدسة بحيث ان من يهددها يجتاز خطا احمر - خطوط حمراء حافظت الفصائل الفلسطينية اعواما عديدة على مسافة بعيدة عنها احتراما منها لقداسة النضال وحرصا على ابقاء الانتماء للوطن وللشعب فوق كل المصالح الفئوية الضيقة والمكاسب الحزبية الرخيصة والمتاجرة بالشعارات الفارغة وصونا لحرمة الدم الفلسطيني وهيبة القضية الفلسطينية في احلك الظروف واقسى المحن والازمات والتهديدات الداخلية والخارجية.
هكذا كان الحال حتى شهور قليلة مضت واذا بالمحظورات تتبدد وبالخطوط الحمراء تصبح خضراء تتجاوزها الفصائل بشكل روتيني: فالمسلحون يستعرضون اسلحتهم في الشوارع ويطلقون النار في الهواء حينا وعلى صدور بعضهم او على الاطفال والمواطنين الابرياء حينا آخر. اما الدم الفلسطيني الذي كان سفكه خطا احمر فقد اخذ يسيل في الطرقات وداخل السيارات وفي الساحات العامة. وليس مشهدا نادرا ان ترى المسلحين يتواجهون وكأنهم اعداء وليسوا ابناء وطن واحد لهم هدف كان من المفروض ان يظل واحدا لكن هذا الهدف انتقل بطريقة لا يفهمها احد من خارج الوطن الى داخل المدن الفلسطينية والمؤسف او المحزن ان افراد هذه الفصائل او قادتها لا يعودون الى الرشد ولا يحكمون ضمائرهم او يستشيرون ماضيهم ليعرفوا ان ما يحدث في الاراضي الفلسطينية خارج عن كل الاخلاقيات والمثل والقيم النضالية والروحية وعن تراث هذا الشعب بل هو ضد ارادة الشعب وضد مصالحه العليا.
هل يريدون ان يقولوالشعبهم ان الاحتلال قد انتهى وان الحقوق عادت الى اصحابها وبالتالي حان وقت اقتسام الكعكة وتقسيم الغنائم واصبح بالامكان ان يتطاحن رفاق السلاح وأن تأكل الثورة ابناءها وان يتحول المقاتلون الى سيوف تطعن الامن والامان وتردع النساء والاطفال والشيوخ؟ اما السؤال الذي يطرح نفسه فهو: هل يراجع هؤلاء ذاكرتهم للبحث عن سبب تشكيل الفصائل الفلسطينية ولماذا ضحى المواطنون بالغالي والرخيص خلال العقود الماضية ثم وهو الاهم: لماذا يحمل هؤلاء السلاح وما الغاية من حمله في الاصل وهل حدث ما يبرر تغيير الهدف وتحويل الاتجاه، والانحدار نحو هاوية الفوضى والفلتان الامني والتسيب في القيم والمفاهيم والاخلاقيات النضالية؟
نريد اجابة حاسمة وضميرية عن هذه الاسئلة التي تلح على خواطر المواطنين الفلسطينيين وهم يرون صرح القيم والمثل الفلسطينية العريقة ينهار ويتهاوى امام عيونهم وتلك الخطوط الحمراء التي ما يزال البعض يحذر من تجاوزها تتحول الى خطوط خضراء تداس كل يوم باقدام العابثين المستهترين بشعبهم وقضيته، بحيث ان اللون الاحمر الوحيد الذي يشاهده الفلسطينيون هذه الايام ليس لون الخطوط الحمراء التي لم تعد موجودة كالعهد بها وانما هو لون الدم الفلسطيني النازف في الضفة الغربية الجريحة وفي قطاع غزة المكلوم - الدم المسفوك بحماقة بالغة، ودون مبرر او منطق وفي غير موضعه، خلافا لكل الادبيات والايديولوجيات، دينية كانت ام وطنية.