لم تعد الاكثرية الساحقة من اللبنانيين تراهن على "توافق ما" بين الافرقاء السياسيين المحليين لاخراج البلاد والعباد من المأزق المتفاقم في الشارع، بعدما ثبت للجميع عجز القادة اللبنانيين على الاتفاق فيما بينهم، بسبب الضغوطات والتداخلات الخارجية المتشابكة فوق رؤوسهم!

ولم تعد أكثرية اللبنانيين تصدق ما تسمع من سجالات الداخل اللبناني، بعدما أيقنت، بما لا يدع مجالا للشك، بأن العاصفة التي تضرب البلد حالياً وتهدد أمنه واستقراره وسلمه الاهلي، هي مجرد انعكاس لازمة اقليمية متمادية، تبدأ بالمفاصل العربية - العربية، وتصل إلى المحاور العربية - الايرانية وصولا إلى امتداداتها وتشعباتها الدولية المختلفة·

وعندما قلنا في الأسبوع الماضي بأن مفتاح الحل موجود في دمشق وطهران، انما كنا نحاول ان نصحح مسار المساعي والجهود الباحثة عن حل أو تسوية، بالاتجاه الفاعل كسبا للوقت، وتجنبا لمزيد من الممارسات الخاطئة والانزلاقات الخطرة على تماسك الجبهة الداخلية·

وبالامس وضع الرئيس نبيه بري يده على جرح الازمة مباشرة عندما باح امام زواره بأن أزمتنا هي نتاج التأزم الحاصل حاليا بين مصر والسعودية وسوريا، وان الوضع الداخلي لن يهدأ إلا بتوافق البلدان الثلاثة·

والحقيقة انه ليست المرة الاولى التي يتحمل فيها لبنان وزر الخلافات العربية - العربية، خاصة بين عواصم الثلاثي العربي التي تشكل ركائز النظام العربي واحدى اهم دفاعاته الاستراتيجية·

ففي عام 1975 اندلعت الحرب الاهلية في لبنان بعد فراق مصر عن سوريا في معاهدات فصل القوات في سيناء، وما سبقها من التزامات مشتركة عشية خوض حرب تشرين - 6 اكتوبر - على الجبهتين المصرية والسورية·

وفي أواخر عام 1978 تجدد أوار الحرب اللبنانية بشدة اثر زيارة الرئيس انور السادات إلى القدس، ومعارضة الرئيس حافظ الاسد لخيار السلام مع الدولة العبرية·

وفي خريف عام 1983 اندلعت حرب الجبل في لبنان، وتم اخراج السلطة الشرعية من بيروت الغربية بانتفاضة 6 شباط 1984، اثر تباين المواقف العربية، وخاصة المصرية - السورية، من تداعيات الاجتياح الاسرائيلي للبنان في صيف 82، ومحاولة تل ابيب فرض "اتفاق 71 أيار" على لبنان مقابل الانسحاب من الاراضي اللبنانية، فكان ان ايدت مصر يومها الاتفاق المذكور استعجالا للانسحاب الاسرائيلي، في حين عارضته سوريا مدعومة من ايران التي ثبت إنشاء المقاومة الاسلامية كجناح منفصل عن حركة "أمل" في البداية، ثم كتنظيم مستقل حمل اسم "حزب الله"·

كانت المملكة العربية السعودية، في كل تلك المحطات، تقوم بدور الشقيق الاكبر الراعي لعلاقات الاخوة بين الاشقاء حيث غالبا ما كان ينتهي تأزم العلاقة بين القاهرة ودمشق بعقد قمة ثلاثية في الرياض، تعالج اسباب الخلافات الثنائية، وتُعيد إلى الوضع اللبناني بعض الانفراج والارتياح، بعد فترة من المواجهات الساخنة وما كان يصاحبها من قطع الانفاس، خوفا على وحدة البلد وصيغة كيانه!

ما أشبه اليوم بالبارحة!

مع فارق جوهري واساسي: الازمة العربية قائمة حاليا بين الرياض ودمشق وتبديد الغيوم من سماء علاقات العاصمتين هو بمثابة التحدي الذي يختبر قدرات القاهرة على القيام بمثل هذه المهمة التي كانت تقوم بها الرياض، لرأب الصدع بين دمشق والقاهرة·

ولا نغالي اذا قلنا ان الازمة الراهنة في لبنان يمكن ان تعالج، عند عودة لغة الحوار والتفاهم بين الرياض ودمشق، بأقل من ساعات معدودات، بكل تشعباتها وتداخلاتها المعقدة، بحيث يعود الهدوء والاستقرار بسرعة ملحوظة، ويعود معه الجميع إلى طاولة الحوار، خاصة وان بنود "الثوابت المارونية" تصلح لتكون ورقة العمل المنشودة لأي مؤتمر حواري، لانها تضم بين دفتيها كل البنود الخلافية·

اما ترتيب بحث البنود وتنفيذ خطوات الحل فتصبح كلها من باب التفاصيل التي لا تقدم ولا تؤخر الخطوات الوفاقية المنشودة، تحت مظلة الوفاق العربي - العربي، وتصبح خطوة انتخاب رئيس جديد للجمهورية يتولى فورا مسؤولياته الدستورية اسهل من "شربة الماء" لا سيما بعدما رفعت بكركي الغطاء عن استمرار الرئيس الحالي في قصر بعبدا·

وليس غير القاهرة وخاصة الرئيس حسني مبارك شخصيا من هو قادر على القيام بمثل هذه المهمة القومية السامية بإزالة الجفاء الحالي بين الرياض ودمشق واعادة روح التعاون إلى المثلث العربي الضامن لامن واستقرار المنطقة العربية· خاصة وان الاتصالات السعودية - الايرانية مستمرة في قنواتها المختلفة للتشاور حول قضايا المنطقة الساخنة بما فيها الساحة اللبنانية، حيث عقد اكثر من لقاء بين السفير السعودي الناشط عبد العزيز خوجة وزميله الايراني محمد رضا الشيباني·

لم يعد خافيا ان احد، أو ابرز اسباب التوتر السوري الحالي تجاه لبنان هو موضوع المحكمة ذات الطابع الدولي المعنية بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وبقية الاغتيالات والتفجيرات الأخرى، والتي أودت آخرها بحياة الوزير الشاب بيار امين الجميل·

لم يعد سرا ان دمشق لديها مخاوف وهواجس من نظام المحكمة، تحت شعار محاولات استغلال وتسييس عمل المحكمة للنيل من النظام في سوريا أو من ابرز رموزه·

ولعل الهواجس السورية هي التي يجب ان تتركز حول كل المساعي العربية والدولية الرامية لمساعدة لبنان على الخروج من ازمته الراهنة والتي لا علاقة لها كما قلنا الاسبوع الماضي لا بحكومة الوحدة الوطنية ولا بمسألة الثلث المعطل، ولا حتى بانتخابات رئاسة الجمهورية ولا بانتخابات نيابية مبكرة·

ولا بد من الاعتراف أولا، بأن لبنان، حكومة ومؤسسات دستورية أخرى لا يستطيع ان يعالج وحده مسألة الهواجس السورية من المحكمة ذات الطابع الدولي، الامر الذي يفرض علينا التوجه مباشرة إلى الامين العام لجامعة الدول العربية، والطلب اليه، - طبعا بموازاة العمل على ازالة الجفاء بين الرياض ودمشق - تشكيل لجنة من وزراء الخارجية العرب الناشطين في المحافل الدولية، للذهاب إلى باريس وواشنطن وصولا إلى مجلس الامن لطرح الهواجس السورية على بساط البحث العلني والموضوعي، في اطار الالتزام العربي - وخاصة السوري بقيام المحكمة ذات الطابع الدولي لكشف حقيقة جريمة الاغتيال البشعة للرئيس الشهيد، والتعهد الجدي بتسهيل مهمتها، ودون ان يعني بأي شكل من الاشكال التراجع عن تشكيلها·

ان التصدي لمعالجة مسألة بحساسية وتعقيدات المحكمة ذات الطابع الدولي، يحتاج إلى كثير من الحكمة والشجاعة وبعد النظر من قبل جميع الاطراف، بمن فيهم عائلة الرئيس الشهيد ومحبيه ومؤيديه من جهة ومن جانب القيادة السورية ايضا، وخاصة الرئيس بشار الاسد الذي تعهد في خطاب علني بمعاقبة كل مواطن سوري تثبت ادانته في الجريمة النكراء·

ويبقى السؤال الذي يقض مضاجع كل لبناني· ماذا لو بقيت حالة التصدع الراهن بين عواصم المثلث العربي، فلم تنجح جهود ازالة الجفاء بين الرياض ودمشق؟

وكيف ستتطور الازمة في حال فشل مساعي الجامعة العربية بمعالجة الهواجس السورية من المحكمة ذات الطابع الدولي؟

ان استمرار حالة التأزم الراهنة في الوضع العربي، وانعكاساتها المختلفة على الساحة اللبنانية، يفرض على القادة اللبنانيين التسلح، بالقدر المسموح لهم من الحكمة، والعمل على تنظيم خلافاتهم الداخلية، والحد من خسائرها الوطنية والسياسية، الاقتصادية والمعيشية؟ وعدم الذهاب بالمواجهات إلى حدود اللاعودة لان عودة التلاقي والتعاون بين الجميع ستتم يوما ما مع عودة الانفراجات إلى العلاقات العربية - العربية·

وماذا يعني تنظيم الخلافات في مثل هذه الاجواء من الشحن والتصعيد والتشنج؟ اولى خطوات التعقل والتنظيم المنشود لادارة الازمة هو الاقلاع عن اساليب الشحن والتعبئة والتشنج في الشارع، وذلك من خلال الالتزام الجدي والصارم بمبادئ ومستلزمات التهدئة الاعلامية، ووقف خطابات تحريك الغرائز الطائفية والمذهبية والمناطقية·

وثاني خطوات التهدئة والتعقل تفترض طوي اساليب التخوين والتكفير والتهديد في الخطاب السياسي الذي انزلق إلى اكثر المستويات تدنيا في التجربة السياسية اللبنانية، رغم ادراك كل الاطراف بأن قدر كل واحد هو ان يجلس من جديد مع الذي يوجه له سهام الخيانة والاتهامات غير المبررة·

وثالث تلك الخطوات هو التوافق على عدم زج المؤسسات الامنية وخاصة المؤسسة العسكرية في السجالات السياسية واستخدامها كأدوات في حملات الاتهام المتسرعة حينا، وغير الموثقة احيانا كثيرة، والتي تضر أصحابها أكثر مما تنفعهم في الترويج لخطابهم السياسي·

ولا بد من التنويه هنا بالدور الوطني الكبير الذي يقوم به الجيش، والقوى الامنية الأخرى، في حماية حق التعبير، وفي الحفاظ في الوقت نفسه على الامن والنظام، وتوفير الحماية اللازمة للاملاك العامة والخاصة، وذلك بمناقبية يُجمع اللبنانيون، كل اللبنانيين، على تقديرها للمؤسسة العسكرية قائدا وضباطا وجنودا التي اكدت وقوفها على مسافة واحدة من جميع الاطراف السياسية·

واخيرا لا بد من مناشدة الاخوة في حزب الله وحركة امل من جهة، وتيار المستقبل من جهة ثانية لعقد لقاءات مباشرة بين الكوادر التنفيذية أو بمشاركة ضباط من الجيش وقوى الامن لوضع الخطط اللازمة لسحب التوتر من الشارع والتصدي لمحاولات الفتنة التي تطل برأسها بين الفينة والأخرى في شوارع بيروت وازقتها المختلفة·

ولا نخال ان ثمة مصلحة لحزب الله بالانزلاق إلى مهاوي الفتنة الطائفية وكذلك الحال بالنسبة لتيار المستقبل، حيث سيخرج منها الجميع خاسرا، ولكن تجنب الوقوع في مصيدة الفتنة يتطلب عملا واعيا، وجهودا مستمرة، لتحصين الصف الاسلامي من محاولات العبث بأرواح شبابه واستحضار المشهد العراقي إلى الشارع الاسلامي·

لقد اتفق العماد عون والدكتور سمير جعجع برعاية بكركي، على تحييد الشارع المسيحي من حالة التوتر والتشنج الراهنة· فهل تستكمل قيادتا تيار المستقبل وحزب الله هذا الاتفاق بخطوة مماثلة في الشارع الاسلامي درءاً للفتنة وتجنبا للبلاء الأعظم؟

صلاح سلام