كلما أغلقت بؤرة أزمة سياسية، ولدت أخرى، حتى إننا بهذه الجغرافيا التي يطلق عليها الوطن العربي، صرنا مدناً وسكاناً وثروات أرخص ما يباع في السوق السياسي، وقد تحتار كيف انتقلت حروب الطوائف من الأندلس بعد قرون لتتجدد في العراق ولبنان، والصومال، وتنتقل بصيغ جديدة إلى أصحاب القضية الواحدة الذين يفترض بهم توحيد جهودهم وتوجيه قواهم للعدو الإسرائيلي..
أمة يتجدد المرض بداخلها، فإذا قلنا إن مواقفنا مع إسرائيل وأمريكا وبريطانيا وغيرها محسومة ومتفق عليها، فكيف نشخص الداء العربي الذي عجز أن يتعايش مع نفسه بخلق علاج، ولو طويل المدى، لاسترجاع بعض الصحة والسلامة النفسية؟
المستقبل القريب يطلعنا على حقيقة ثابتة أننا سنوضع بين كماشة قوتين نوويتين في إسرائيل وإيران، ولكل من الدولتين مطامع إقليمية تاريخية، والوليمة العربية جاهزة، وقد بدأت مظاهرها بالعراق ولبنان، وفلسطين، والعرب يذهبون للأمم المتحدة حتى إن من يلعنونهم كخصوم، يقبلون أياديهم احتراماً وتقديراً، في حين ينقسم الفرد، والعائلة، والحي والمدينة وغيرها على نفسها، ثم يأتي من ينادي بعفوية الدعوة للعرب بالتضامن، وهي كلمة تسلينا بها عدة سنوات، مثل ما جرى بنداء للوحدة العربية الشاملة التي لم تتحقق حتى على الورق..
بعض الدول التي تشعر بمخاطر هذه المرحلة، وتحاول لمّ شتات المنقسمين على أنفسهم والذهاب إلى أقصى الجهود المبذولة، نجد من يعلن عن القصور العربي في إنقاذ الدولة الفلانية، ويجهز الاتهامات بأن أصحاب تلك المحاولات رسل لأمريكا وينفذون رغبات إسرائيلية، والحيرة لا تأتي فقط من الجاهزين للتخوين، بل زحفت الحالة لصراع الفصائل مع بعضها، بكل الأسماء والدعوات..
خذوا ما يجري في لبنان مثلاً، فكل من يناصر الحكومة الشرعية أمريكي بالتبني وإسرائيلي في الخفاء، ويردون على أنصار حزب الله ومن يتحالفون معهم بأنهم طبقة إيرانية مختومة وممهورة من طهران، وحماس وفتح تعممت بينهما الشكوك، فكل حزب خرج من حرب الكلمات إلى الاغتيالات، والطريق معبّد بالوقود الذي ينتظر الاشتعال..
هل كسبت إيران أخطاء أمريكا، مثلما كسبت إسرائيل في حروبها أخطاء الثوريين العرب، ثم استطاعت أن تجيّر لنفسها مكسباً جديداً من خلال حروب أهلية موشكة الوقوع بين من يرغبون الحرب باسم الطائفة كعماد للهوية؟
عموماً مصدر الخطر لم يعد خارجياً وإنما من تناسل الأزمات العربية في الداخل وتلك هي التي أعيت المداوين..